مقالات

تعيين عابدين الطاهر.. تساؤلات وملاحظات

النورس نيوز

تعيين عابدين الطاهر.. تساؤلات وملاحظات

بقلم: عبدالماجد عبدالحميد

النورس نيوز _ يُثير قرار تعيين الفريق عابدين الطاهر رئيسًا لهيئة الشفافية والنزاهة في السودان جملة من التساؤلات الجوهرية التي تتجاوز شخص المعيَّن إلى طبيعة المؤسسة نفسها، وحدود صلاحياتها، وتوقيت إنشائها في سياق سياسي وإداري بالغ التعقيد. فبينما لا يختلف اثنان على أهمية وجود هيئة تُعنى بقضايا الشفافية ومكافحة الفساد، إلا أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية التأسيس، والإطار القانوني، والانسجام المؤسسي مع بقية أجهزة الدولة.

فكرة إنشاء هيئة للشفافية والنزاهة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات سابقة، حيث طُرحت منذ العام 2012 ضمن مقترحات إصلاح الجهاز التنفيذي، لكنها بقيت حبيسة الأدراج داخل مجلس الوزراء دون أن ترى طريقها إلى التنفيذ. لاحقًا، جرى تشكيل لجنة رسمية للاطلاع على تجارب إقليمية، من بينها تجربة المملكة العربية السعودية في مجال مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة، إلا أن تلك الجهود لم تُستكمل، ولم تُترجم إلى رؤية مؤسسية متكاملة يمكن البناء عليها لتأسيس نموذج سوداني واضح المعالم.

من هنا يبرز السؤال المركزي: هل تم بالفعل إصدار أمر تأسيس قانوني واضح لهيئة الشفافية والنزاهة؟ وهل هناك تحديد دقيق لاختصاصاتها وصلاحياتها بما يمنع التداخل مع مؤسسات قائمة تعمل في ذات المجال؟ فملف الشفافية في السودان بطبيعته مركّب، تتداخل فيه الأبعاد القانونية مع الأمنية، والسياسية مع الاقتصادية، ما يجعل أي غموض في الصلاحيات مدخلًا لصراعات مؤسسية قد تُضعف الأداء بدلًا من تعزيزه.

 

 

 

التجربة السابقة مع لجنة إزالة التمكين لا تزال حاضرة في الأذهان، حيث أدّى تداخل الاختصاصات وغياب الضوابط المؤسسية إلى إحداث ارتباك قانوني وشروخ داخل بنية الدولة، امتدت آثارها إلى الجهاز القضائي والإداري. وهو ما يستدعي قدرًا أعلى من الحذر عند إنشاء أي كيان جديد يعمل في نفس المساحات الحساسة.

أما فيما يتعلق بشخص الفريق عابدين الطاهر، فإن سيرته المهنية خلال سنوات خدمته في الشرطة السودانية، خاصة في مجال المباحث، تُعد محل تقدير، إذ يُنظر إليه كأحد الضباط الذين تركوا بصمة واضحة في العمل الجنائي. غير أن التحولات التي طرأت على مسيرته بعد التقاعد تطرح بدورها علامات استفهام حول مدى ملاءمته لقيادة هيئة ذات طابع مؤسسي دقيق يتطلب توازنًا عاليًا بين المهنية والاستقلالية.

 

 

 

فالرجل، بعد خروجه من الخدمة، انتقل إلى النشاط العام عبر المنصات الرقمية، وغادر لاحقًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تقدّم بطلب لجوء سياسي، قبل أن يعود إلى السودان عقب التغيير السياسي، ويشارك في الحراك داخل ساحة الاعتصام، وكان قريبًا من بعض دوائر صنع القرار، بما في ذلك محيط لجنة إزالة التمكين، قبل أن يغادر مجددًا. هذه المسارات المتقلبة تطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه في موقع يتطلب قدرًا عاليًا من الاستقرار المؤسسي والحياد.

كما أن الغموض لا يزال يكتنف وضعه القانوني، سواء من حيث عودته النهائية إلى البلاد أو وضعه في الخارج، وهي معطيات لا يمكن تجاهلها عند تقييم مدى جاهزيته لتولي منصب بهذا الحجم.

في تقديري، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه رئيس الوزراء لا يتمثل في ملء المناصب أو استحداث كيانات جديدة بقدر ما يتمثل في إعادة ترتيب البيت التنفيذي، ومعالجة أوجه القصور داخل المؤسسات القائمة، قبل التوسع في إنشاء هياكل إضافية قد تُثقل كاهل الدولة إداريًا وماليًا دون تحقيق عائد ملموس.

 

 

 

إن السودان في هذه المرحلة الدقيقة بحاجة إلى إصلاح مؤسسي عميق يقوم على وضوح الرؤية، وتحديد الأولويات، وتكامل الأدوار بين الأجهزة المختلفة، لا إلى قرارات قد تُفسَّر على أنها استجابة لضغوط أو مجاملات سياسية. فبناء منظومة شفافية حقيقية لا يتحقق بتسمية الأشخاص، بل بإرساء قواعد حوكمة صارمة، وتفعيل القانون، وضمان استقلالية المؤسسات.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام خطوة تأسيسية مدروسة نحو تعزيز الشفافية، أم أمام قرار يفتقر إلى الأرضية المؤسسية الكافية؟ الإجابة، كما يبدو، ستتضح من خلال ما ستكشفه الأيام المقبلة من ممارسات وسياسات على أرض الواقع.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى