حسابات آبي أحمد الخاسرة
بقلم: رشان أوشي
النورس نيوز _ في السياسة، لا تتحرك الوقائع بمعزل عن سياقاتها، ولا تُقرأ الأحداث الكبرى بوصفها مجرد مصادفات عابرة. ما يجري في محيط السودان اليوم يعكس، بوضوح، تداخل المصالح الإقليمية مع الأزمات الداخلية للدول، في مشهد معقد تتشابك فيه خيوط النفوذ والضغط والتوظيف السياسي.
الهجمات التي طالت محيط مطار الخرطوم ومواقع عسكرية أخرى خلال الأيام الماضية تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الجهات المستفيدة من هذا التصعيد، وحول الرسائل التي يُراد تمريرها في هذا التوقيت تحديداً. فالمسألة، كما يبدو، تتجاوز حدود الفعل العسكري المباشر، لتلامس صراع الإرادات بين قوى إقليمية تسعى لإعادة ترتيب المشهد وفق حساباتها الخاصة.
في هذا السياق، يبرز اسم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بوصفه أحد أبرز الفاعلين الذين تحيط بهم ضغوط داخلية متزايدة. فإثيوبيا، التي لا تزال تعاني من ارتدادات الصراعات الداخلية، خصوصاً في إقليم تيغراي، تواجه تحديات حقيقية تهدد تماسكها السياسي والاجتماعي. هذه التحديات تضع القيادة الإثيوبية أمام خيارات صعبة، قد تدفعها أحياناً للبحث عن أدوار خارجية تعيد من خلالها ترتيب أوراقها الداخلية.
لكن الرهان على الخارج، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، لا يخلو من المخاطر. فالتداخل بين الأجندات الإقليمية قد يحوّل أي تحالف تكتيكي إلى عبء استراتيجي، خاصة عندما تكون تلك التحالفات قائمة على مصالح مؤقتة أو رهانات غير مضمونة النتائج. وفي حالة آبي أحمد، يبدو أن الانخراط في ملفات تتجاوز الحدود الوطنية قد يضاعف من تعقيدات المشهد بدلاً من أن يخففها.
من زاوية أخرى، فإن التحولات التي تشهدها بعض المناطق الحدودية، مثل بني شنقول وأجزاء من إقليم الأمهرا، تعكس واقعاً ميدانياً جديداً يثير القلق. فهذه المناطق، بحكم موقعها الجغرافي، تظل حساسة لأي تحركات عسكرية أو لوجستية، ما يجعلها عرضة لأن تكون مسرحاً لصراعات بالوكالة أو نقاط انطلاق لعمليات ذات أبعاد إقليمية.
السودان، من جانبه، ليس دولة هامشية في هذا المشهد، بل لاعب رئيسي يمتلك من الأدوات والخبرات ما يمكنه من التعامل مع هذه التحديات، سواء عبر المسارات الأمنية أو الدبلوماسية. وقد أثبتت تجارب سابقة أن مؤسسات الدولة السودانية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة التوازن، حتى في أصعب الظروف.
إن ما يحدث اليوم يضع المنطقة بأكملها أمام اختبار حقيقي: هل تتجه نحو مزيد من التصعيد والتوظيف المتبادل للأزمات، أم تنجح في كبح جماح هذه الصراعات عبر حلول سياسية تضع حداً لحالة الاستقطاب؟
في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأبرز أن الحسابات التي تُبنى على إضعاف الآخرين قد تنقلب على أصحابها. فاستقرار الدول لا يتحقق عبر تصدير الأزمات، بل من خلال معالجتها من الجذور. وأي رهان على الفوضى كأداة لتحقيق النفوذ، هو رهان قصير النظر، مهما بدا مغرياً في لحظته الراهنة.







