فن وثقافة

هل تُهدد الخوارزميات هوية الأغنية السودانية؟

القاهرة  ـ  هنادي  عبد اللطيف ـ  أثار الفنان السوداني المعروف عاصم البنا موجة واسعة من الجدل والتفاعل، بعد انتقادات حادة وجّهها للاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في توزيع الموسيقى وإنتاج الأغاني، واصفاً هذا التحول بأنه “تراجع في روح الإبداع البشري” و”ضعف في الهوية الفنية”.
وفي منشور لافت عبر حسابه على فيسبوك، أعاد البنا التذكير بجيل الرواد في الأغنية السودانية، مستشهداً بأسماء خالدة مثل كرومة وسرور، مؤكداً أنهم قدّموا فناً خالداً “دون كهرباء أو راديو”، اعتماداً على الابتكار الإنساني الخالص فقط.
ثنائية “الابتكار والتوصيل”.. قراءة نقدية
قدّم عاصم البنا قراءة فلسفية للعمل الفني، قسّمه فيها إلى محورين رئيسيين:
أولاً: الابتكار
وهو – بحسب وصفه – جوهر العمل الفني، المتمثل في العقل والملكية الفكرية والإحساس الإنساني الذي يمنح الأغنية هويتها.
ثانياً: التوصيل
وهي الوسائل والأدوات التقنية التي تنقل العمل للجمهور، والتي يرى أنها يجب ألا تطغى على الأصل الإبداعي.
وانتقد البنا ما وصفه بمحاولات “تجميل الابتكار البشري بالخوارزميات”، معتبراً أن بعض التقنيات الحديثة باتت تُستخدم بطريقة “تفرغ الأغنية من خصوصيتها” بدل أن تدعمها.
“دعوا العالم يقلدنا”.. رسالة هوية
وفي لهجة تحمل مزيجاً من الغيرة الفنية والدعوة للتمسك بالهوية، قال البنا إن السودان من أغنى دول العالم ثقافةً وتنوعاً فنياً، مشدداً على أن الأصل هو أن “يُقلدنا الآخرون لا أن نقلدهم”.
واختتم رسالته بعبارة أثارت تفاعلاً واسعاً:
“ما تعمل حقك ياخ… وجع قلب وبس”
في إشارة إلى رفضه لما يعتبره انسياقاً غير مدروس خلف موجة الذكاء الاصطناعي في الفن.
تفاعل واسع.. ومطالب بـ“جسم لحماية الفن”
لم تمر تصريحات البنا مرور الكرام، إذ شهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلاً كبيراً بين مؤيد ومعارض، حيث عبّر كثيرون عن دعمهم لموقفه الداعي إلى “حماية الهوية الفنية السودانية”.
وطالب بعض المعلقين بتأسيس جسم مهني ثقافي يُعنى بالفن السوداني الأصيل، تكون مهمته توثيق التراث ومنح الاعتراف فقط للأعمال التي تستوفي معايير “أخلاقية وفنية وثقافية صارمة”، في خطوة وصفها البعض بأنها تمهيد لإنشاء ما أسموه “متحفاً معنوياً للفن السوداني”.
ورأى آخرون أن هذا المقترح يهدف إلى “تنقية المشهد الفني” من ما وصفوه بـ“السطحية والتكرار”، مؤكدين أن الفن القديم كان أكثر صدقاً وارتباطاً بالوجدان الشعبي.
أصوات من الخارج.. الإعجاب يمتد إلى الخليج
ولم يقتصر التفاعل على السودان، إذ امتد إلى متابعين في عدد من الدول العربية، خصوصاً في الخليج، حيث عبّر أحد المتابعين السعوديين عن إعجابه قائلاً إن “الذكاء الاصطناعي في التوزيع قد يفرغ الأغنية السودانية من روحها وخصوصيتها”.
وأضاف أن جاذبية الفن السوداني القديم كانت في بساطته وعمقه، مستشهداً بأعمال رواد مثل كرومة وسرور الذين شكلوا وجداناً موسيقياً فريداً في المنطقة.
عاصم البنا.. صوت التراث في زمن التحول
يُعد عاصم البنا واحداً من أبرز الأصوات الغنائية في السودان، وامتداداً لمدرسة “الحقيبة” التي أرست قواعدها أسماء كبيرة مثل كرومة وسرور. وقد عُرف البنا عبر مسيرته الفنية بتمسكه بالهوية السودانية، ومحاولاته المزج بين الأصالة والتجديد دون المساس بجوهر التراث.
ويرى متابعون أن موقفه الأخير لا يُقرأ فقط كرفض للتقنية، بل كتحذير من “تآكل الروح الإنسانية في الإبداع” إذا ما تُركت الخوارزميات تتحكم في تفاصيل العمل الفني.
خلاصة المشهد
بين مؤيد يرى في حديثه “نداءً لحماية التراث”، ومعارض يعتبره “موقفاً تقليدياً ضد التطور”، يبقى تصريح عاصم البنا واحداً من أكثر المواقف إثارة للجدل في الوسط الفني السوداني مؤخراً، في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية داخل صناعة الموسيقى عالمياً.
لكن المؤكد أن النقاش الذي فتحه البنا لن يتوقف قريباً، خاصة مع تصاعد الأسئلة حول مستقبل الهوية الفنية في عصر الذكاء الاصطناعي.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى