فن وثقافة

كجراي.. شاعرٌ يمرّ خفيفاً ويترك الأثر ثقيلاً

بورتريه ـ النورس نيوز ـ في سيرة محمد عثمان محمد صالح سبدرات، لا تقرأ مجرد حياة شاعر، بل تواجه مفارقة سودانية مكتملة: موهبة بحجم وطن، وسيرة بحجم التهميش. رجلٌ اسمه يعني “المحارب” بلغة البجا، لكنه اختار أن يحارب بالكلمة… لا بالسيف.
وُلد في القضارف عام 1928، من بيئةٍ متشبعة بالتعليم والتصوف، حيث أسس والده خلوة صارت مناراتها الأولى. هناك تشكّلت ملامحه، قبل أن ينتقل إلى كسلا، المدينة التي ستحتضن بداياته ونهاياته معاً. عمل معلماً، لا كوظيفة، بل كرسالة، وتدرّج حتى صار من أعمدة التعليم، غير أنّ صراحته — تلك “الطولة” في اللسان الوطني — جعلته دائماً في مرمى السلطة.
في عهد جعفر نميري فُصل، ثم أُعيد، ثم ضُيّق عليه حتى لم يعد الوطن يتّسع له، فخرج إلى إريتريا. هناك، لم ينكسر، بل أعاد تشكيل نفسه: مديراً لمدرسة، مشرفاً أدبياً، وموجهاً تربوياً. كأنّه كان يقول: أنا لا أحتاج وطناً كاملاً… يكفيني مكان أزرع فيه المعنى.
لكن الصورة الأصدق لكجراي، ليست في المناصب، بل في تفاصيله الصغيرة: “سيد الدكان” في حلة مهلة بالقضارف. رجلٌ يبيع ويكتب، يُحاصر في رزقه لأنه يقول ما لا يُقال. الاستعمار أحرق دكانه، والأنظمة الوطنية لاحقته، وكأنّ قدره أن يدفع ثمن استقلاله مرتين: مرة ضد المستعمر، ومرة ضد أبناء بلده.
شعرياً، كان حالة نادرة. بدأ مبكراً منذ 1948، وأصدر “الصمت والرماد” في بيروت عام 1964، ثم “الليل عند غابة النيون” لاحقاً. ظل يكتب في “مجلة الدوحة”، ويوقّع بـ(م. ع. كجراي)، كأنه يتعمد الغياب، أو يختبر قدرة النص على الوقوف وحده دون اسم.
ما يميز كجراي حقاً، هو تلك القدرة المدهشة على التنقّل بين مستويين لغويين: فصحى عالية، تُشبه أساتذة العربية، وعامية سودانية نابضة، تُشبه الناس في الأسواق. بذات اليد التي تُحكم القصيدة، يعجن الأغنية. لذلك لم يكن غريباً أن يكتب لعمالقة مثل محمد وردي، وأن تتحول كلماته إلى وجدانٍ مغنّى بصوت إبراهيم حسين في “خصام”.
ومع ذلك، ظلّ السؤال معلّقاً: كيف لشاعر بهذا العمق أن يُنسى؟
في الداخل، جرى تجاوزه لصالح أسماء أكثر حضوراً في المركز. وفي الخارج، ظنه كثيرون عربياً من بلاد الشام، فقرأوه دون أن يعرفوا جذره السوداني. كأنّه كان يُكتب عليه أن يكون معروفاً… دون أن يُعرف.
عاد في آخر أيامه إلى كسلا، مثقلاً بما يمكن تسميته “السأم السوداني الكبير”. لم يطلب شيئاً، ولم يشتكِ كثيراً. عاش كما كتب: بهدوءٍ عميق. وفي أغسطس 2003، رحل بصمت، ودُفن عند سفوح التاكا، حيث تمتزج الجغرافيا بالسيرة، ويصير المكان امتداداً للنص.
كجراي لم يكن مجرد شاعر… كان اختباراً أخلاقياً لبلدٍ كامل:
هل نُكرم الموهبة أم نتركها تمضي وحيدة؟

خصام
ﻳﺨَﺎﺻِﻢ ﻳﻮﻡ ويرجَع ﻳﻮﻡ
ﻭﻳﻌَﺬِّﺑﻨﺎ ﺑﻲ ﺭﻳﺪﻭ
ﻭﻳﺘﺤﺪَﺍﻧﺎ ﻳﻮﻡ ﻳﺰﻋَﻞ
يقول ﺃﻗﺪَﺍﺭﻧﺎ ﻓﻲ ﺇﻳﺪﻭ
نقول ﻳﺎﺭﻳﺘﻮ ﻟﻮ ﻳَﻌﺮﻑ
ﻋَﺬﺍﺏ ﺍﻟﺤُﺐ ﻭﺗﻨﻬﻴﺪﻭ
بدل ما نحنا بنعاتب
بنفرح يوم يعاتبنا
ونسأل عنو كان طول
وما هاميهو كان غبنا
حرام ترمينا للأيام
حنانك يا معذبنا
نحلف قلبك القاسي
بكل حنان مودتنا
بأفراحنا وبأشواقنا
وبلهفة محبتنا
رضينا هوانا في حبك
حرام تتناسى ريدتنا
خلاص يا قلبي كان خاصم
ضميرو بعاتبو خلوهو
تمر أيام وينسى غرورو
ويلقى هوانا راجيوهو

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى