الكرمك على صفيح ساخن: هل تتحول الحدود الشرقية إلى جبهة صراع إقليمي مفتوح؟
النورس نيوز _ بقلم.. عبد الماجد عبدالحميد
تشهد مدينة الكرمك هذه الأيام واحدة من أخطر لحظات التحول في مسار الصراع السوداني، ليس فقط لأنها تقع على تخوم حدود ملتهبة، بل لأنها أصبحت فجأة في قلب لعبة إقليمية مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأطماع الاقتصادية، وتتشابك فيها الرسائل السياسية مع تحركات الميدان.
ما يحدث هناك لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأكبر، فالتوتر الذي يتصاعد في محيط الكرمك لا يقف عند حدود الاشتباكات المتفرقة، بل يتجاوز ذلك ليحمل في طياته محاولة واضحة لنقل بؤرة الصراع نحو الدمازين، المدينة التي تمثل مركز الثقل الإداري والسياسي في ولاية النيل الأزرق. وهذا التحول، إن تم، لن يكون مجرد تطور عسكري عابر، بل نقطة مفصلية تعيد ترتيب أولويات الحرب داخل السودان.
في تقدير كثير من المراقبين، فإن الكرمك لم تكن يوماً منطقة عادية، فهي تقع في شريط حدودي غني بالموارد، من الذهب إلى الكروم، وهو ما جعلها منذ سنوات محل اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى لتأمين موطئ قدم في هذه الجغرافيا الحساسة. لكن ما تغير الآن هو أن هذه الأطماع خرجت من دائرة النفوذ غير المباشر إلى مستوى الحضور الميداني، أو على الأقل محاولات فرض واقع جديد بالقوة.
اللافت أن اسم آبي أحمد عاد ليتصدر المشهد في هذا الملف، مع تصاعد الاتهامات بوجود تحركات إثيوبية على الحدود، وهو أمر، إن ثبت، يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول طبيعة الأهداف الحقيقية لهذه التحركات. فإثيوبيا، التي تخوض بدورها تحديات داخلية معقدة، تبدو وكأنها تعيد تموضعها إقليمياً عبر بوابة الحدود السودانية، مستندة إلى ذرائع أمنية تتعلق بحماية مصالحها الاستراتيجية.
ومن بين هذه المصالح، يبرز ملف سد النهضة، الذي ظل لسنوات محور توتر بين أديس أبابا وجيرانها، حيث تروج بعض القراءات إلى أن أي اضطراب في منطقة الكرمك قد يُستخدم كذريعة لتعزيز الوجود العسكري الإثيوبي بالقرب من مناطق تعتبرها حساسة لأمن السد. ورغم أن هذا الطرح لا يزال في إطار التحليل، إلا أن تزامنه مع التحركات الميدانية يمنحه قدراً من الجدية يستحق التوقف عنده.
في المقابل، لا يمكن فصل ما يجري عن تعقيدات الداخل السوداني نفسه، حيث لا تزال الحرب مستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهي معادلة فتحت الباب واسعاً أمام تدخلات متعددة، بعضها مباشر وبعضها الآخر يتم عبر وكلاء محليين. وهنا تصبح الكرمك ساحة مثالية لتقاطع هذه الأجندات، خاصة في ظل هشاشة السيطرة الأمنية في بعض المناطق الحدودية.
المؤشرات القادمة من الميدان، سواء ما يتعلق بتحركات عسكرية أو استخدام طائرات مسيّرة، تعكس مستوى جديداً من التصعيد، حتى وإن لم تصدر بشأنها تأكيدات رسمية كاملة. لكن في مثل هذه البيئات المتوترة، فإن غياب التأكيد لا يعني بالضرورة غياب الفعل، بل قد يكون جزءاً من ضباب الحرب الذي يحيط بالمشهد.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: إلى أين تتجه الأمور؟ هل نحن أمام تصعيد محدود سيتم احتواؤه عبر القنوات الدبلوماسية، أم أن الكرمك قد تتحول إلى شرارة لجبهة أوسع تمتد آثارها إلى عمق السودان؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن ترك الأمور دون معالجة حاسمة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، خاصة إذا استمرت محاولات اختبار الحدود وفرض الوقائع الجديدة. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح لزاماً على صانع القرار السوداني أن يوازن بين الحسم العسكري والتحرك الدبلوماسي، لأن أي خلل في هذا التوازن قد يكلف البلاد ثمناً باهظاً.
في النهاية، تظل الكرمك اليوم أكثر من مجرد مدينة حدودية؛ إنها عنوان لمرحلة جديدة من الصراع، مرحلة تختبر فيها الدول قدرتها على حماية مصالحها، وتكشف في الوقت ذاته حجم التداخل بين المحلي والإقليمي في رسم مستقبل السودان. وربما يكون ما يجري هناك الآن هو مجرد بداية لقصة أكبر لم تُكتب فصولها كاملة بعد.









