مقالات

حديث المدينة ـ عثمان ميرغني يكتب: ثغرة السياسة الخارجية

الاثنين 23 فبراير 2026

أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا “شديد اللهجة”، أدانت فيه “بأقوى عبارات الإدانة” زيارة وفد التمرد إلى يوغندا واستقبالهم رئاسيًا. وينتهي الاستنكار بانتهاء مراسم كتابة البيان.
لو اقتصر العمل الدبلوماسي على إصدار بيانات الرفض والشجب، فلن يحتاج الانتساب إلى وزارة الخارجية إلى أكثر من إتقان الكتابة والتعبير. ولو كانت مهمة الخارجية مجرد تمثيل السودان في المحافل والفعاليات الدولية، أو أن تكون مردوفة بالدبلوماسية الرئاسية، فإن ما يُنفق من أموال دولارية على السلك الدبلوماسي السوداني في شتى الدول أولى به بطون الجائعين في بوادي السودان وحضره.
تصورتُ أن الرئاسة في السودان ستعمل على مراجعة الأداء الدبلوماسي، إن كان التمرد -بشحّ قدراته وكثرة إداناته الدولية- قادرًا على تمديد علاقات مع الدول وعلى مستوى الرؤساء، بينما الدولة الشرعية لا تملك سوى البيانات التي تحاول امتصاص غضب “مجموعات الواتساب” أكثر من درء الضرر عن وجه السودان الخارجي ومصالحه الإقليمية والدولية.
في 13 فبراير 2026، أي قبل نحو أسبوع من زيارة وفد التمرد، زار كمبالا السيد مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، وبحسب بيانات من الجانبين، فإن أحد أهداف الزيارة كان “استخدام ثقل يوغندا الإقليمي للتواصل مع الجهات المساندة لقوات الدعم السريع وحثها على وقف أي دعم يطيل أمد النزاع”. 
وكانت هناك زيارة سابقة لمالك عقار في مارس 2025 استمرت ليومين.
الأمر لا يحتاج إلى السؤال عن جدوى هذه الزيارات، فواقع الحال يُغني عن السؤال.
الغائب الحقيقي هو “السياسة الخارجية” للسودان.
السياسة الخارجية لا يُقصد بها “العلاقات الخارجية”، بل المنظور الاستراتيجي الذي نمخر فيه سفينة السودان عباب البحر اللُّجيّ المتلاطم الأمواج، في عالم تتحكم في مصالحه المحاور والشراكات والتحالفات، وتجتهد الدول في الحصول على أفضل تموضع يسمح لها بتعظيم العائد الدبلوماسي وتجنب المخاطر والضرر.
وبهذا المنطق، يُفترض أن زيارات نائب رئيس مجلس السيادة إلى أي دولة -ومنها يوغندا- لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى دراسة دقيقة تمليها السياسة الخارجية للسودان، وتنفذها الدبلوماسية الرئاسية والتقليدية.
هل لدى الدولة السودانية حاليًا استراتيجية سياسة خارجية مدروسة؟
ما الجهة أو الجهات التي تصمم هذه الاستراتيجية؟
وأين “المايسترو” الذي يدير أطراف تنفيذ هذه السياسة الخارجية ليضمن تناغمها وانسجامها مع الأهداف الاستراتيجية التي تتحكم في بوصلة السياسة الخارجية السودانية؟
في تقديري -وأتمنى أن أكون مخطئًا- أن وزارة الخارجية بكامل أطقمها، من الوزير إلى ما دونه، تعمل بمبدأ “صاحب الزبدة” الذي لو طلب شواءها فليس من فعل ذلك محيص. تنتظر التوجيهات من الدبلوماسية الرئاسية وتجتهد في تنفيذها بأفضل طريقة تُقنع القيادة العليا أنهم رهن الإشارة أكثر من كونهم صانعيها.
وصول الوفد القيادي للتمرد إلى كمبالا أشبه باختراق دفاع فريق في كرة القدم، يثير السؤال عن فشل الخطة أكثر من الفعل نفسه. فالمنطقي أن السودان دولة كبيرة ومهمة في القارة الأفريقية، وأن حرماته حرام على محيطه الحيوي، بذات المستوى الذي لن تقبل فيه أي دولة جارة أن يستضيف السودان متمرديها.
من الحكمة أن ندرك أن غياب السياسة الخارجية المدروسة يعزز عزلة السودان ويضعف قدرته على استثمار علاقاته الخارجية.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى