مقالات

أسامه عبد الماجد يكتب: غياب الحسم !!

أسامه عبد الماجد يكتب:

غياب الحسم !!

 

0 هل يعقل كما كشف الرئيس البرهان من أنقرا أمس.. أن وفداً رسمياً ضم مدير المخابرات الفريق أول أحمد مفضل.. ورئيس هيئة الاستخبارات محمد علي صبير، ووزير الخارجية محي الدين سالم، وبحضور ممثلي الرباعية، قد فاوض دولة الإمارات في واشنطن.. دون أن يعرف أحد ما الذي دار في تلك المفاوضات؟ وعلى أي قضايا فاوض السودان؟ وما هي مخرجات جولة التفاوض؟.. مع التأكيد على أن كاتب هذه السطور من الداعين إلى التفاوض مع أبوظبي.

0 لكن هذا هو ديدن الحكومة وسلوكها المتكرر فقد اعتادت التحرك في جنح الليل.. وكأنها على يقين تام بأن ما تقوم به لن يمر دون رفض.. أو لعلها تراهن على ألا يسمع به أحد.. من لقاء نتنياهو في أوغندا، إلى الاتصال الهاتفي مع رئيس الإمارات محمد بن زايد.. مروراً بالاجتماع مع مبعوث ترامب (مسعد بولس) في سويسرا، ثم لقاء المنامة، وما خفي كان أعظم.

0 المفارقة أن الستار يزاح عن هذه الخطوات دائماً من الطرف الآخر، لا من الحكومة او يخرج للعلن مرتبكاً.. لتجد الحكومة بعدها عالقة في دوامة من التبرير والإنكار.. وتقوم بمحاولات لإعادة تجميل الحدث – بحشد الهتيفة وكُتاب تحت الطلب – دون جدوى تذكر.. فبدل الشفافية والوضوح تكثر الاقاويل، وتتسع المسافات بين الخطاب الرسمي والواقع.. ويتأكد الرأي العام أن ما يدار في الخفاء أخطر مما يخرج في العلن.

0 كتبنا سابقاً أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الأشخاص، بل في غياب منظومة فاعلة داخل مكتب الرئيس.. مؤسسة تفكر، تخطط، تُنظر، وترتب، وتتابع إدارة شؤون العمل،. وتضع الخيارات وتقيم البدائل قبل اتخاذ أي قرار.. وقد فهم البعض حديثنا على أنه استهداف لمدير المكتب، وهذا غير صحيح لأننا نتحدث عن مؤسسة لا عن أفراد.

0 لا تصاغ القرارات ارتجالاً، بل تمر عبر منظومة متكاملة.. تسهم في إعدادها، وتدقيقها، وقياس آثارها السياسية والاقتصادية وحتى الإجتماعية ثم تتابع تنفيذها وتقييم نتائجها.. في حقبة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، كان مدير مكتبه سفير، الدكتور أسامة الباز وكانت مديرة مكتب الأخير سفيرة.. في نموذج يعكس العمل المؤسسي المنظم  الذي يقوم على فرق مختصة لا على الجهد الفردي.

0 إن عمل الفريق لا يحد من الأخطاء فحسب، بل يكاد يجعلها صفرية.. ويضمن أن تكون القرارات أكثر اتزاناً وأوضح رؤية.. اذكر كنا في انتظار وصول وزير الخارجية حينذاك البروفيسور ابراهيم غندور.. ليحدثنا عن قرار واشنطن برفع العقوبات، كانت المفاجأة الداوية ظهوره وبرفقته وزيري الدفاع عوض بن عوف والمالية بدر الدين محمود ومدير جهاز الأمن والمخابرات محمد عطا المولى، ورئيس هيئة الأركان عماد عدوي ومدير البنك المركزي حازم عبد القادر.

0 حضور رفيع ومن العيار الثقيل، والأكثر إدهاشاً أنهم قدموا مباشرة إلى المؤتمر الصحفي.. عقب اجتماعهم بالمشير البشير في القصر.. ثم توالت المفاجآت عندما كشف غندور عن أن الرئيس كان قد شكل، في وقت سابق لجنة للتفاوض مع واشنطن..

وجاءت الصدمة الأكبر عندما أعلن أن مهام اللجنة حددت بدقة.. تفاوض في خمسة مسارات واضحة.. (مكافحة الإرهاب، العمل على مكافحة جيش الرب، السلام في دولة الجنوب ودعمه، تحقيق السلام في السودان، والشأن الإنساني)

0 اما ما يجري من حولنا الآن من أفعال وتحركات حكومية لا تحتاج إلى تفسير بقدر ما تحتاج إلى انتفاضة حقيقية.. فجميع الخطوات تشير إلى حكومة مُكبة على وجهها.. كأنما ضُرب على آذانها في كهف سنين عدداً.. بل إن فرط الكسل والضعف بلغ حدا لم يدفع مسؤوليها حتى إلى التساؤل فيما بينهم كم لبثتم ؟.. ودليل آخر على ذلك ما كشفه البرهان في لقاء الأمس، حين قال أن المبادرة التي قدمها رئيس الوزراء هى مبادرة الدولة.. وقد جرى الاتفاق عليها داخل مجلس الأمن والدفاع.

0 أليس من شخص ينبه كامل إلى أن توقيت زيارة نيويورك غير مناسب ؟ وأن عليه أن يظهر هناك بصفته رئيساً للحكومة، لا مجرد مسؤول يرافقه “شلة مكتبه”؟.. هل يعقل أن تُقدم مبادرة تحمل رؤية عسكرية، من دون أن يرافقه وزير الدفاع؟ وأن تناقش قضايا في مجلس الأمن بنيويورك في غياب قيادة وزارة الخارجية سواء الوزير أو الوكيل ؟.. ثم إن أس المشكل مع المجتمع الدولي حول الملف الإنساني والإغاثي.. في وقت أعلن برنامج الغذاء العالمي مطلع العام المقبل تخفيض مساعداته للسودان، ومع ذلك لم يصطحب كامل مفوض العون الإنساني.

0 الحكومة متأمرة على نفسها بالإهمال والتقصير واستسهال الامور.. بدأ البرهان متفائلاً بمستقبل العلاقة مع تركيا وانها ستصبح استراتيجية مستقبلية وممتدة.. رغم ان وفده لم يضم وزير الزراعة – نظيره التركي كان حاضراً ولا وزير المعادن.. لكن مافعله وزراء كامل لا يبشر بذلك.. تحدثنا الشهر الماضي في هذة المساحة عن زيارة طويلة قام بها وزير الدولة بالمالية محمد نور عبد الدائم إلى تركيا.. جاءت بعد أسبوع فقط من زيارة مماثلة لوزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم.. زيارتان أحاطتهما علامات استفهام كثيرة، حملتا قدراً كبيراً من الريبة.

0 التفاصيل تشير إلى أن أمراً ما يدور في الخفاء.. خاصة وان المعتصم قاد وفداً رفيعاً ضم وزير العدل، وكيل المعادن، مديري شركتي أرياب والأبحاث الجيولوجية، وممثل مفوضية الاستثمار.. إلى جانب ما يسمى بالمبعوث الخاص لرئيس الوزراء.. وقع المعتصم خلال الزيارة اتفاقيتي عدم إفصاح مع الجانب التركي في مجالي النفط والمعادن.. وهي اتفاقيات تحجب بيانات حساسة، والسؤال هل حصل على تفويض من مجلس الوزراء؟.

0 عاد المعتصم دون حسم ملف البارجة التركية المغذية لبورتسودان بالكهرباء..أما زيارة وزير الدولة محمد نور فبدت أكثر غموضاً.. إذ عقد اجتماعات فنية مع شركات تركية في مجالات الطاقة والكهرباء والمياه والنفايات والطاقة المتجددة.. وهي اختصاصات أصيلة لوزارة الطاقة، وقدم خلالها عروضاً تفصيلية عن احتياجات السودان.

0 وشملت لقاءاته عمدة أنقرا، ومحافظ البنك المركزي التركي وبحث التعاون في الكهرباء والمعادن.. خاصة الذهب، وزار مصنع المحولات.. رغم ان وزير النفط ابرم اتفاقاً لتوريد أكثر من 1200 محول كهربائي.. ولذلك ما جرى في الزيارتين غريب ومريب وحتى الأن لم نعرف الجهة المخولة بالتفاوض وإبرام الاتفاقيات الاستراتيجية.. بصراحة ما لم يحدث تغيير حقيقي وجذري، فلن يستقيم حال هذا البلد.. فالبطء والتردد وغياب الحسم يلازم أداء الحكومة في كافة مستوياتها.

0 ومهما يكن من أمر.. يكفي أن الباغي الشقي حميدتي، بعد تمرده الصريح ظل يشغل منصب نائب الرئيس لأكثر من شهر.

 

الأحد 28 ديسمبر 2025

osaamaaa440@gmail.com

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى