عمار العركي: السودان يصالح “إيغاد” والمليشيا تقاطع “العروبة” وتغازل “الأفريقانية” بمهر “مستريحة”
خبر وتحليل
عمار العركي
السودان يصالح “إيغاد” والمليشيا تقاطع “العروبة” وتغازل “الأفريقانية” بمهر “مستريحة”
▪️ بينما اختارت الخرطوم العودة إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، كانت المليشيا تتموضع إقليميًا بمقاطعة العمق العربي ومغازلة الفضاء الأفريقي، ولو كان الثمن تمزيق حواضنها الاجتماعية في دارفور.
▪️ قرار الخرطوم بمصالحة إيغاد لا يعني نسيان مواقفها السابقة أو التغاضي عن الانحيازات الواضحة، لكنه يعكس إدراكًا بأن الفراغ يُملأ سريعًا من أطراف مضادة، وأن المعركة لا تُخاض في الميدان وحده، بل في القاعات المغلقة أيضًا. لذلك عاد السودان إلى “إيغاد” ليدير الاشتباك من الداخل، ويمنع استغلال غيابه، أو مساواة مؤسساته بمليشيا متمردة.
▪️ وفي اللحظة التي يُصالح فيها السودان إيغاد، كانت غالبية دولها المؤثرة — يوغندا، كينيا، إثيوبيا، جنوب السودان — تخضع لمغازلة المليشيا، وتفتح أبوابها لسردياتها وخطابها الإقليمي، مما يضع السودان أمام اختبار القدرة على مواجهة تحدي العودة إلى مؤسسة تمارس بعض دولها الانحياز والتماهي، وتحدي مواجهة نشاط المليشيا غير الشرعية، في وقت تتصاعد فيه مساعٍ إقليمية لاحتواء المشهد بما يحافظ على مصالح السودان.
▪️ في المقابل، اختارت المليشيا مظلة الأفريقانية، بعد أن ضاقت عليها دوائر القبول في الفضاء العربي، لا سيما في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية. أخذ خطابها يميل بوضوح نحو مغازلة المنصات الأفريقية، باستثمارها مساحات الحركة داخل الاتحاد الإفريقي وإيغاد، في محاولة لإعادة تقديم نفسها كفاعل سياسي لا كتمرد مسلح، تحت غطاء “الشرعية الأفريقية” غير المكتملة.
▪️ غير أن التطور الأخطر جاء باجتياح المليشيا لمنطقة “مستريحة”، التي ظل يُنظر إليها باعتبارها أحد أبرز رموز الامتداد العربي في دارفور، بل يصفها أنصارها بأنها آخر معاقل العروبة هناك، ليتحول اجتياحها إلى حدث يحمل دلالة عميقة: كسرًا للمرجعية الاجتماعية داخل البنية القبلية، وإعادة رسم خرائط الولاء بالقوة.
▪️ وبينما كانت المليشيا تغازل المنصات الأفريقية سياسيًا، كانت تضرب عسكريًا واحدة من أهم رموزها التاريخية، في مفارقة تكشف أن معركة التموضع الأفريقي للمليشيا تُدار على أنقاض العروبة، وبمهرٍ اسمه “مستريحة”.
▪️ هنا تتجلى المفارقة الكبرى: الدولة السودانية تصالح إيغاد لتمنع عزلها أفريقيًا، والمليشيا تقاطع العروبة بحثًا عن مظلة أفريقية بديلة. والسودان، الذي يوازن بين عروبته وأفريقانيته، يتحرك لملء الفراغ في المنظمات الأفريقية، بينما تملأ المليشيا فراغ خطابها بتكثيف الدعاية ومحاولة إعادة تعريف نفسها والحرب. لكن “مهر مستريحة” أعلى وأغلى من أن يُدفع في سوق التموضع السياسي؛ فتمزيق النسيج الاجتماعي لا يصنع شرعية، ومغازلة الأفريقانية على أنقاض الحواضن لا تمنح اعترافًا مستدامًا. كما أن المنصات الإقليمية، مهما بدت قابلة للاحتواء، تظل محكومة بحسابات الدول ومصالحها، لا بعواطف الخطاب.
خلاصة القول ومنتهاه:
▪️ عودة السودان إلى إيغاد تمثل خطوة استراتيجية مهمة لإدارة الفراغ الإقليمي ومنع إعادة تعريف الأزمة في غيابه. في المقابل، تظل المليشيا متمسكة بمحاولات إعادة التموضع، تقطع مع العروبة لفظيًا وتغازل الأفريقانية سياسيًا، مستثمرة الفراغات في الميدان والمنصات الإقليمية، بينما تمضي في ضرب رموزها التاريخية في دارفور، كما حدث في مستريحة، آخر معاقل العروبة في الإقليم.
▪️ الرسالة التي يبعثها المشهد اليوم واضحة: السودان، كدولة، يسعى إلى إدارة معركته داخل الأطر الإقليمية لا خارجها. أما المليشيا، فتبدو وكأنها تدير معركة هوية وتموضع، تقاطع فيها العروبة “لفظيًا”، وتطرق أبواب الأفريقانية “سياسيًا”، فيما تحرق الجغرافيا والحواضن الداخلية بالنار.
▪️ وفي النهاية، تبقى الأسئلة الجوهرية في انتظار إجابة المــآلات :
هل يمكن لتموضع إقليمي أن ينجح إذا كان ثمنه تمزيق اجتماعي وجغرافي؟
وهل تُشترى الشرعية الإقليمية بمهر “مستريحة”؟ وهل يعني “مهر مستريحة” قبول افريقياني بزواج المليشيا من دارفور الكبرى؟











