من أوقف إجراءات محاكمة حميدتي في بورتسودان؟
بقلم: يوسف عبد المنان
النورس نيوز _ في يناير الماضي، أُعلن عن بدء جلسات محاكمة متهمين في أحداث 15 أبريل، يتقدمهم محمد حمدان دقلو “حميدتي” وعدد من قادة قوات الدعم السريع، في خطوة وُصفت حينها بأنها اختبار حقيقي لمسار العدالة في البلاد.
لكن ما حدث لاحقاً يثير كثيراً من التساؤلات؛ إذ توقفت إجراءات المحاكمة فجأة ودون إعلان واضح للأسباب، لتبقى القضية معلقة، ويظل الرأي العام في حالة ترقب وتساؤل مشروع: من أوقف المحاكمة؟ ولماذا؟
هل كان القرار قضائياً خالصاً أم أن هناك تدخلاً سياسياً أعاد ترتيب المشهد؟ وهل تملك أي جهة في الدولة الحق في سحب ملفات بهذه الحساسية من مسار العدالة؟ وإذا حدث ذلك فعلاً، فكيف يمكن توصيفه غير أنه تدخل مباشر في استقلال القضاء؟
تتسع الأسئلة أكثر حين نبحث عن تفسير منطقي لهذا التوقف: هل هناك تفاهمات سياسية غير معلنة؟ أم ضغوط داخلية أو خارجية أعادت رسم الأولويات؟ وهل يمكن أن تتعطل محاكمات بهذا الحجم دون أثر أو تفسير رسمي؟
إن محاكمة المتهمين في جرائم الحرب ليست مسألة إجرائية فحسب، بل تمثل جزءاً من العدالة الانتقالية وحق الضحايا في معرفة الحقيقة، وأي تعطيل لها لا يمكن أن يمر دون مساءلة أو تفسير.
(2)
في المقابل، لا يمكن فصل هذا المشهد عن حالة الحرب الإعلامية المفتوحة التي تُدار في الفضاء العام، حيث تتدفق الأخبار المتناقضة، وتُستخدم المنصات الرقمية كساحة صراع موازٍ للمعارك الميدانية.
تنتشر روايات عن تقدم ميداني هنا، وهجمات هناك، بينما تُبث في الوقت نفسه أخبار مضادة تهدف إلى إرباك الرأي العام وإثارة القلق، في غياب خطاب رسمي قادر على ضبط الإيقاع الإعلامي أو تقديم رواية دولة واضحة.
وفي هذا السياق، ظهرت حملات منظمة تستهدف بث الشكوك حول الأوضاع الأمنية والمعيشية، وصولاً إلى التشكيك في قدرة المواطنين على العودة إلى مناطقهم، وهي مسألة ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الاستقرار في البلاد.
إن بقاء المواطنين خارج ديارهم يخدم استمرار الأزمة، بينما عودتهم تعني عملياً بداية تفكيك حالة الحرب المفتوحة، وهو ما يجعل ملف النزوح والعودة أحد أهم عناوين الصراع غير المعلن.
(3)
ولا يبتعد هذا المشهد عن حملات التشكيك التي طالت شخصيات سياسية وعسكرية، من بينها وزير المالية جبريل إبراهيم، حيث تتصاعد الانتقادات بين حين وآخر حول أدائه وموقعه داخل الحكومة، في سياق سياسي شديد التعقيد.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في النقد، بل في تحوله إلى حملات تستند إلى الانطباعات والشائعات أكثر من استنادها إلى مسارات مؤسسية واضحة، سواء عبر المحاسبة أو التقاضي أو التقييم الإداري الرسمي.
وفي ظل هذا الضجيج، يغيب الموقف الحكومي الواضح في كثير من القضايا، سواء المتعلقة بالقرارات الدولية أو التطورات الداخلية، ما يترك فراغاً تُملؤه التأويلات والاصطفافات السياسية والإعلامية.
إن أخطر ما يواجهه السودان اليوم ليس فقط الحرب في الميدان، بل أيضاً حرب الروايات، وتعدد مراكز الحقيقة، وغياب المرجعية الرسمية القادرة على ضبط الإيقاع العام.
وفي النهاية، تبقى قضية توقف محاكمة حميدتي وغيرها من الملفات الكبرى مفتوحة على كل الاحتمالات، إلى أن تُقدَّم إجابات واضحة وصريحة تعيد الثقة إلى مسار العدالة، وتضع حداً لحالة الغموض التي تسيطر على المشهد.











