☘️🌹☘️
سلسلة من الخرطوم سلام
همس الحروف
أحمد عثمان حمزة علم من أعلام التاريخ المعاصر
✍️ د. الباقر عبد القيوم علي
قبل اندلاع الحرب في السودان ، كانت الساحة تعج بالأسماء اللامعة التي كانت تملأ فضاءات الإعلام ، وتتصدر الشاشات ، وتحتل أبرز عناوين الأخبار ، تُقدم للناس بوصفها رموزاً وطنية ، ولكن عندما إشتعلت الحرب سقط المظهر وبقي الجوهر ، وكشفت المحنة الغث من السمين ، فإختفت كل الصور الباهتة التي كانت بطولتها عبارة عن كلمات طنانة عالية الضجيج ، وهنا برز الرجال أصحاب الأفعال والصمود ، فقياس الرجولة بالأفعال وليست بالأقوال ، فعند المواقف تظهر معادن الرجال على حقيقتها ، بدون رتوش أو إدعاءات .
في العصر الحديث ، قلة من الناس إستطاعوا أن يسجلوا أسماءهم في دفتر التاريخ كأبطال ، وكان من بين هؤلاء الأستاذ أحمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم ، فهذا الرجل يعتبر من ألمع نجوم لوحة شرف هذا العصر .
فحينما سيطرت المليشيا على الخرطوم وبدأت في الاعتداء على الأعيان الخاصة والعامة ، شرع المواطنون في الفرار من بطشها ، و تحولوا بين ليلة وضحاها إلى لاجئين في الشتات .
لقد سقطت أقنعة الكثيرين وتعرت مواقفهم ، غير أن والي ولاية الخرطوم برز كأحد أعمدة الصمود التي لا يختلف فيها الناس ، فاليوم هذا الرجل يعتبر رمز نادر من رموز القيادة الثابتة ، والواثقة .
عند إجتياح المليشيا للعاصمة ، ودخلوها في الأحياء الآمنة ، بدأت في ترويع السكان ، وامتدت أيادي الخراب تطال كل شي ، حتى تحولت الخرطوم إلى مدينة منكوبة ، فخرج أهلها منكسرين قسراً إلى المنافي الداخلية والخارجية ، ولكل واحد منهم قصة مؤلمة ومختلفة ، يطول سردها على مساحات الأمكنه المخصصة للتوثيق ، ودموعهم تتحدث نيابة عنهم ، فمعظمهم لا يحمل معه إلا الخوف وذكريات مؤلمة مما تم لهم من ترهيب ، وفي هذا المشهد القاتم ، غادر الكثيرون من الناس العاصمة إلا أن الأستاذ أحمد عثمان حمزة لم يغادر الخرطوم قيد أنملة ، على الرغم من كونه كان هدفاً مباشراً للمليشيا ، فكان منطقياً أن يحتمي بالعاصمة الإدارية بورتسودان ويدير ولايته من على البعد كما فعل غيره ، ولكنه فضل أن يكون درعا لمن لم تمكنه ظروفه من الخروج ، وأراد أن يكون حاضراً وليس شاهداً من على البعد ، فكانت المليشيا تهدم ، وكان هو يسعى في ترميم ما تم هدمه ، كانت تخرب محطات المياه ، فيعمل بإمكانات شبه معدومة على إصلاحها من أجل إستمرار الحياة ، وكانت تروع من تبقى من سكان العاصمة ، فيواسي المكلومين ويكفكف دموع المنكسرين وقد شاهدناه يبكي معهم بدموع الرجال يشاركهم في كل شيء، فكان وجوده في الميدان وجود حقيقي طمأن الناس ، وكان هذا يعتبر بداية النصر ، وحينها علمت المليشيا أن العاصمة برجال أمثال هذا الرجل العظيم عصية على إستمرار وجدوها فيها .
صحيح أن حمل السلاح شرف عظيم ، ولكن الثبات والصبر لا يقل عنه ، فقد صمد الرجل وإدار العاصمة وهي تحت النار ، ولقد بث الأمل في نفوس الناس ، ومن أم درمان الصامدة ، بدأ يشحذ الهمم ، ويزرع الحماس في نفوس الشباب ، ويؤكد أن العاصمة الخرطوم لن تُترك هكذا ، وأن السودان لن تمحوه شرذمة خارجة عن التاريخ والإنسانية .
قاسى الرجل ما قاسى ، لقد كان إمتحاناً عسيراً ، فصبر وصابر ، حتى جاء يوم الخلاص والتحرير ، يوم دخول الجيش ، حتى إنتهت المعارك العسكرية ، وهنا بدأ الرجل معارك التعمير والبناء ، وإزالة آثار الحرب من الشوارع ، ومحاولة إعادة الحياة إلى شرايين المدينة ، وما تزال الخرطوم رغم الجراح ، والفقد ، وعمق المأسآة تسعى إلى إستعادة ملامحها ، خطوةً ، خطوة ، وبإصرار عجيب .
هذا القائد في كل صباح يجدد دعوته للمواطنين للعودة من أرض صمد عليها حينما كانت النار تحيط بها من كل جانب حتى تم تحريرها .
أحمد عثمان حمزة سيظل خالداً في وجدان كل أهل السودان ، وستظل قصة صمودة ترويها المجالس في القرى والمدن ، وسيدون التاريخ قصته بماء من ذهب في صفحات من نور ، لأنه كان قائداً في زمن الانكسار ، ورجل دولة حين غابت الدولة ، وبطلاً حين ندر الأبطال .
سيكتب التاريخ أن الخرطوم في أحلك أيامها ، كان خلفها بطل ، وسيضع التاريخ اسم الأستاذ أحمد عثمان حمزة في قائمة أبطال السودان الشرفاء ، وذلك ليس من باب ما قاله عنه الإعلام ، ولكن من المواقف التي تشهد له بذلك .
ندعو له على ظهر الغيب ونقول في دعائنا : (حفظك الله يا أحمد عثمان ورعاك وسدد خطاك ، اللهم انا نسألك أن تفتح له أبواب الخير حيثما توجه ، واكتب له القبول في الأرض والرفعة في السماء ، وأجعل ما قدم وبذل في ميزان حسناته ، وأثبه عليه أجراً عظيماً لا ينقطع ، وبارك له في عمره وعمله وأثره ، إنك ولي ذلك والقادر عليه) .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين










