مقالات

محمد غزالي : بين ظلال الموت ونور الحق: حكاية من قلب الخرطوم

بين ظلال الموت ونور الحق: حكاية من قلب الخرطوم

 

بقلم /محمد غزالي

 

في هذه الصورة، لم تكن تفصلنا عن الموت سوى أمتار معدودة، ولم يكن أحدنا يدري هل يمنحه القدر ساعةً إضافيةً من الحياة، أم يختاره ليكون في عداد الراحلين. كان العدو يبسط ظلاله الثقيلة على أرجاء الخرطوم، وكان مجرد الحلم بمدينة خالية من دنسهم يبدو للبعض كأضغاث أحلام بعيدة المنال، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لنا.

كنا نسير مدفوعين بيقين لا يتزعزع، بأن الأرض ستتحرر لا محالة؛ فدولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة. تقدمنا بصدورنا العارية إلا من الإيمان، لنعيد الأمن المفقود لأهلنا، ولنسترد الطمأنينة لبيوتنا. بذلنا الأرواح رخيصة؛ لأنها بلادنا، ونحن أهلها الأحق بكرامتها.

طوال هذا الطريق، فقدنا أغلى ما نملك؛ أصدقاءً كانوا كقطعة من الروح، ورفاقاً غمروا حياتنا بالوفاء. حتى هذه الليلة، كلما مرّت طيوفهم بذاكرتنا، غصت حلوقنا بمرارة الفقد، لكن عزاءنا الوحيد أنهم الآن “فرحين بما آتاهم الله من فضله”.

لم يكن محركنا حزباً ولا تنظيماً، ولم تكن دعوتنا للاصطفاف نابعة من أجندات سياسية؛ بل كان الهم وطن، والقضية أمن، والتجارة مع الله وحده. عشنا أياماً كان التدوين فيها (القصف) يملأ الأرجاء، والموت يتربص بنا في كل زاوية. لا مقاهي، لا مطاعم، لا أضواء تؤنس ليلنا؛ فقد كان مجرد بصيص “نور زناد” كافياً ليجلب خطراً مميتاً عليك وعلى إخوانك.

واليوم، وبينما يتباكى البعض على شعارات “ثورة” لم تجلب لنا إلا الخراب، ورجعت ببلادنا مئات السنين إلى الوراء، وشردت أهلنا في الفيافي والقفار، ندرك تماماً حجم المأساة التي تسبب فيها العبث بمقدرات الوطن. لقد شهد السودان بعدها كل صنوف العذاب، من نزوح وتشريد وموت في غياهب الصحاري.

سيظل التاريخ شاهداً على من ثبت في الميدان دفاعاً عن العرض والأرض، ومن باع الوهم للشعب تحت مسميات الثورات والحرية، بينما الواقع ينطق بالدمار.

 

نسأل الله عاجل الشفاء وتمام الصحة والعافية لصديقي العزيز السعيد فتح الرحمن الذي التقط الصورة واتصاب بطلقات العدو.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى