تفاجأ مواطنو منطقة “مقرات” بالولاية الشمالية مساء أمس بزيارة من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وفي لقاء جماهيري مفتوح عفوي بلا بروتوكولات، ألقى خطابًا مرتجلًا، جاء من ضمنه: (سنقاتل التمرد حتى القضاء عليه، لا عندنا هدنة، لا وقف إطلاق نار، ولا عندنا مصالحة معهم. ومصالحتنا واحدة، أن تُلقي السلاح وتمشي تقعد في بيتك. زول يسألك مافي. حتى السياسيين القاعدين بره السودان، الواحد فيهم كان قعد مسك رأسه وقال أنا عاوز أرجع، بنقول ليهو حبابك، تعال).
لنبدأ من الفقرة الأخيرة.. لنفترض أن المعارض للحكومة “س” الذي ظل خارج البلاد طوال السنوات الماضية، متخوفًا من أجواء الكراهية السائدة، وهواجس غياب سلطة القانون.. لكنه قرر أن يعود إلى وطنه السودان، ويواصل صوته المعارض وفق القانون والنظام من داخل البلاد. ما الذي عليه أن يفعله؟ هل يحجز مقعدًا في الطائرة، ويهبط في المطار بسلام، ويعبر بوابات المطار، ويعود إلى بيته بضمانات الإعلان الذي صدر في حديث الرئيس البرهان؟
من الواضح أن هذا المعارض سيكون في حاجة ماسة لما يطمئنه أن كلمات البرهان ستنزل عليه بردًا وسلامًا في وطنه لو عاد إليه.. وبالضرورة، لو توفرت هذه الضمانات للمعروفين من القيادات السياسية، فهي لن تتوفر لأي مواطن عادي آخر. فكيف يعود هذا المواطن؟ وبأي ضمانات؟
سأعود للرد على هذا السؤال..
في الجزء الأول من مجتزأ خطاب البرهان قال: (سنقاتل التمرد حتى القضاء عليه، لا عندنا هدنة، لا وقف إطلاق نار، ولا عندنا مصالحة معهم..).
هذا حديث واضح مفهوم ومقبول، ولكن في السياق العسكري الذي يمثله القائد العام للقوات المسلحة.. فليس مطلوبًا من جيشنا أن يمد يده مسالمًا لمن يحمل البندقية حتى يُلقيها على الأرض. مهمة الجيش فرض القانون واستعادة كامل السيادة على كل شبر من أرض السودان، ولن يتوقف عن عمله ما دام هذا الهدف لم يتحقق، فذلك تفويضه الدستوري مثل أي جيش لأي دولة في العالم، بل يسنده في ذلك القانون الدولي للحفاظ على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
الحديث عن الهدنة والمصالحة يجب أن يكون على لسان جهة أخرى غير الجيش وقائده.. ولهذا كتبت كثيرًا مطالبًا بتكوين “هيئة السلام والمفاوضات”، من الخبراء في مجالات النزاعات والدبلوماسية والتفاوض والمخابرات والشؤون الأمنية والدفاعية والاقتصاد والقانون وغيرهم. تختص هذه الهيئة بكل ما يتعلق بالسلام والمفاوضات، لضمان تحقيق أهداف الجيش نفسها، ولكن عبر المفاوضات والسلام، والإجراءات ذاتها التي أشار إليها الرئيس البرهان في قوله: (من يضع السلاح من المقاتلين، أو يراجع نفسه من السياسيين في الخارج، فمرحبًا به).. هذه بالضبط مهام هذه الهيئة.
عندما يسألني المحاورون في الفضائيات: (لماذا يرفض الجيش المفاوضات والسلام؟) كنت أرد عليهم: (الجيش لم يرفض، ولم يقبل، لأن الأمر أساسًا ليس من اختصاصه.. تفويض الجيش أن يحارب لتحقيق أهداف بسط سيادة الدولة على كامل أرض السودان.. أما المفاوضات والسلام فهي مهمة جهة أخرى.. ويلتقي الاثنان عند تحقيق الهدف المشترك بينهما).
حديث المدينة | الثلاثاء 17 مارس 2026









