مقالات

عثمان ميرغني يكتب اليوم التالي: إيران.. تغيير «المقاس» لا «العلامة التجارية »

حديث المدينة – الاثنين 16 مارس 2026
من أصعب ما يواجه الكُتّاب والمحلّلين السياسيين عند النظر إلى مآلات أوضاع معقدة مثل تلك الدائرة الآن بين الولايات المتحدة و إسرائيل من جهة، و إيران من جهة أخرى، هو تقدير مسافة النظر. فاختلاف المسافة يؤثر على الرؤية السديدة والاستخلاصات الدقيقة.

من ينظر إلى الأحداث عن كثب، ويتابع يومياتها، ويستطلع مستقبلها القريب، قد لا يبتعد كثيرًا عن نظرة مشاهد مباراة كرة قدم من مقاعد المقصورة الرئيسية، متميزًا عن مدرجات المشجعين. أما النظرة الكلية الشاملة التي تعلو فوق سماء الأحداث وتستطلع الأفق البعيد، فتكشف مشهدًا عميقًا مختلفًا تمامًا.
ما الذي يدور في المنطقة؟
لم أجد –من منظور فوق سماء الأحداث– وصفًا أدق مما قاله قبل ثلاثين عامًا زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” (The Grand Chessboard)، حيث أعطى أهمية استراتيجية كبرى لمنطقة “وسط آسيا”، ووصفها بأنها “منطقة محتملة للصراعات والتوترات الجيوسياسية في المستقبل”. وذهب أبعد من ذلك فشبّهها بـ”البلقان الأوراسي” (Eurasian Balkans)، للدلالة على أنها قد تصبح بؤرة عدم استقرار ونزاعات متعددة الأطراف.
تتمتع وسط آسيا بثروات طاقة هائلة (نفط وغاز)، وبموقع جيوسياسي محوري يؤثر في العالم. كما تحمل ثقلًا بشريًا كبيرًا ارتبط تاريخيًا بالسيطرة العسكرية والثقافية والفكرية والدينية، وأثر في مسار التاريخ العالمي.
ما يجري حاليًا في “البلقان الأوراسي” –من أوكرانيا إلى إيران، وقبلها أفغانستان– هو صراع على “فراغ القوة” كما وصفه بريجنسكي، يحقق مزايا التفوق بصورة غير مباشرة للهيمنة الدولية في مواجهة قوى مركزية صاعدة مثل الصين وروسيا.
هذا التوصيف، المبني على النظرة الكلية الشاملة، يجعل الولايات المتحدة هي اللاعب الأساسي، وليس إسرائيل كما قد يظن الكثيرون. ورغم أن المواجهات الممتدة على مدى العقود الماضية بدت بين إسرائيل وإيران، فإن الوقائع لم تثبت أن إيران شكّلت خطرًا وجوديًا مباشرًا على إسرائيل. طوال الفترة التي تلت الثورة الخمينية، بينما كانت –في عهد الشاه– أقرب إلى الحليف.
تحوّرات التحالف الأمريكي
الولايات المتحدة، بوصفها الدولة الأقوى في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أدارت معظم تدخلاتها العسكرية في أوراسيا عبر هذا الحلف، خاصة في أوكرانيا. لكن في المواجهة الراهنة مع إيران، تحولت إلى تحالف عضوي مباشر مرتبط بإسرائيل، مع اضمحلال مستمر في التحالفات التقليدية مع أوروبا والغرب عمومًا. بل إن أصواتًا بدأت تشكك في تعارض المصالح، على نحو ما أثاره رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الأخير (يناير 2026)، حيث أعلن نهاية “النظام الدولي القائم على القواعد” (Rule-Based International Order) الذي كانت تتزعمه أمريكا بعد الحرب الباردة، ودعا الدول المتوسطة –مثل كندا– إلى الاتحاد في مواجهة “القوى الكبرى” التي تستخدم القوة دون قيود، كما تفعل الولايات المتحدة حاليًا.
آفاق اليوم التالي
رغم ما يُثار حول التهديد الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، فإن المواجهة استراتيجيًا تتجاوز تلك التهديدات بكثير. في الأفق البعيد، تبدو الصين هي المنافس الحقيقي في ملء “فراغ القوة” في أوراسيا، خاصة بعد تحول روسيا إلى شبه إمبراطورية آسيوية عقب فقدانها أوكرانيا.
من هذا المنظور، لا تبدو نظرية تغيير النظام في إيران هدفًا مطلقًا، بقدر ما أن المطلوب هو استعادة “وهج اللعب” بكفاءة أعلى، لصالح أدوار مرسومة بعناية.
النظام الشيعي الإيراني يشكّل توازنًا مهمًا في كسر نمو أي تحالفات تعتمد على قاعدة سنية –وهي الأكثر نفوذًا وانتشارًا في وسط آسيا–. والصورة المثلى بالنسبة للولايات المتحدة أن يحافظ النظام الإيراني على نمطه الدستوري الديني التقليدي القائم على “ولاية الفقيه”، مع تعديل طفيف يتيح مساحة أوسع للتعددية والحريات السياسية. أي تغيير في “المقاس” مع المحافظة على “الماركة”.
الاختراقات الأمنية العميقة التي أظهرتها حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025، ثم الحرب الراهنة (التي بدأت في فبراير/مارس 2026)، دلّت على أن “كل شيء كان تحت السيطرة” في إيران. لم يكن البرنامج النووي أو الباليستي يتحرك في فضاء مفتوح، بل كان محكومًا بقواعد اللعبة. وما تحققه فزاعة الخطر النووي من سباق تسلح في الخليج، وزيادة الحاجة إلى طلب الحماية الأجنبية –مما يعزز الوجود الأمريكي في القواعد العسكرية– أعلى بكثير من مخاطر التهديد المباشر الوجودي لإسرائيل أو المصالح الأمريكية في المنطقة.
وعندما احتاجت أمريكا إلى نزع أنياب الثعبان “المروّض”، لم يكلفها ذلك سوى بضعة أيام.
ومع ذلك، تظل الحاجة قائمة لإثبات استمرار التهديد الإيراني لدول المنطقة، وقد تأكد ذلك أكثر بالهجمات الإيرانية على دول الخليج.
ما الذي تتوقعه دول الخليج؟
حاولت دول الخليج، على مدى عقود بعد الثورة الإيرانية، تبني سياسة تحييد الخطر الإيراني والمحافظة على “شعرة معاوية”. لكن الهجمات الإيرانية على منشآت مدنية واقتصادية –وليس فقط القواعد والمقار الأمريكية– رسّخت نظرية الخطر الإيراني الدائم. ولا يُتوقع أن تنجح إيران في تخطي هذا الحاجز بسهولة.
ستظل هواجس الأمن القومي لدول الخليج دافعًا قويًا لتبني نظرية دفاع وقائي، تفرض تطوير القدرات العسكرية والإبقاء على الوجود الأمريكي.
نُشر بمجلة “الوطن العربي” – العدد 6 – مارس 2026

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى