أسامه عبد الماجد يكتب:
حكومة في سوق البصل
0 إن اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء كامل إدريس بعضو مجلس السيادة ورئيس لجنة تهيئة العودة إلى الخرطوم الفريق إبراهيم جابر أمس.. لا يبدو مجرد اجتماع تنسيقي، بل محاولة لاحتواء أزمة مكتومة خرجت إلى العلن.. غير أن الاحتواء الحقيقي لا يتم هكذا.. بل عبر حسم التناقضات هل هناك لجنة فاعلة بتفويض واضح؟ هل الحكومة ملتزمة بقراراتها؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن أي تجاوزات ؟.
0 أول ما يلفت الانتباه أن كامل يشغل موقع نائب رئيس لجنة تهيئة العودة إلى الخرطوم.. ومع ذلك سبق أن وجه وزراءه بمقاطعة أعمالها.. ونقلت وزيرة شؤون مجلس الوزراء توجيهاته كتابة للوزراء.. ثم يأتي لاحقاً ليهرول بنفسه إلى رئيسها.. فإن الحديث لا ينبغي أن يكون عن تهيئة عودة.. بل عن تهيئة الساحة لتغيير شامل يطال رؤوس الكبار قبل غيرهم.. هذا التناقض لا يمكن المرور عليه.. فإما أن كامل يرى خللاً في أداء اللجنة، او عرف متاخراً انها تنتقص من صلاحياته وفي هذه الحالة كان الأولى به أن يطرح اعتراضه داخل أروقتها أو يعلن للرأي العام موقفه حيالها.
0 ولكن يجمع بين صفة النائب فيها ويوجيه وزرائه لتعطيلها.. فذلك يكشف ارتباكاً في القرار، أو محاولة يائسة منه لإدارة صراع سياسي.. “ماعندو ليه قدرة” كما تبين من لقائه جابر.. ان الدولة تعاني من عاصمة شبه مدمرة، “كان الله في عون الوالى الهمام احمد عثمان”.. وأزمة ثقة خانقة بين المسوؤلين.. لا تحتمل هذا النهج من الإدارة المزدوجة.. ولا اسلوب المراوغة والابتسامة الصفراء امام الكاميرات.
0 لا يمكن ان تدار الدولة بالرسائل المتناقضة، ولا تبنى بالخطوات الرمادية.. هناك شبهات فساد بشان عطاء جسر الحلفايا.. والمدير العام السابق للهيئة القومية للطرق والجسور الرئيس السابق للجنة الفنية العليا لصيانة وتأهيل جسري الحلفايا وشمبات المهندس جعفر حسن بلل.. فجر مفاجأة داوية وقال أن الاستعانة بشركات وطنية لتنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل.. جاءت وفق توجيهات رسمية من رئيس مجلس الوزراء لوزير البنى التحتية والنقل سيف النصر التجاني.
0 كما ان الأزمة تعمقت حين طالت اللجنة انتقادات واسعة بشأن ترسية عطاء تأهيل كوبري الحلفايا دون إعلان تنافسي واضح، وما تبع ذلك من اتهامات بغياب الشفافية.. بدلاً من أن يحسم الأمر عبر تحقيق إداري معلن.. انزلق الجميع إلى تبادل اتهامات حين لمح جابر إلى تجاوزات مالية تتعلق باستئجار مقار حكومية بالدولار.. في محاولة “لتشتيت الكرة” وبدأ جابر مرتبكاً وهو يقول للصحفيين “امشوا فتشو الموضوع دا”.
0 بينما تستأجر الحكومة بشقيها السيادي والتنفيذي مقارها في بورتسودان بالدولار.. وأعلن وزير البنية التحتية بحكومة ولاية الخرطوم أن تكلفة إعادة تأهيل جسر الحلفايا بلغت (11) مليون دولار.. ولذلك يصبح تبادل كبار المسؤولين الاتهامات بشأن المال العام أمراً مقلقاً.. فالرسالة التي تصل إلى المواطن توحي بحالة من التفكك وان الخلاف حقيقياً بالدرجة الأولى.
0 عقد اللقاء بين كامل وجابر في مكتب الأخير، لا في مقر مجلس الوزراء.. وهذا ينطوي على علامات أعمق من الشكل.. ففي ظل المساعي الرامية إلى تأكيد مدنية الحكومة، يظل احترام الرمزية المؤسسية جزءاً أساسياً من حفظ التوازن بين السلطات ووضوح الصلاحيات.. وعندما يزور رئيس الوزراء مكتب عضو في المكون السيادي العسكري، خصوصاً في ظل جدل محتدم حول حدود التفويض والصلاحيات.. فإن الرسالة التي يتلقاها الداخل والخارج غبر مطمئنة، وتفتح الباب لتأويلات تتجاوز اللقاء نفسه.
0 كان الأجدر أن يتم اللقاء في إطار رسمي متوازن يؤكد استقلالية الجهاز التنفيذي.. لا في صورة تظهر ترجيح كفة العسكريين على المدنيين.. وليس مدنياً بل رئيس الوزراء.. حتى في تفاصيل مقطع الفيديو للقاء بدت المصافحة بين كامل وجابر خالية من الحد الأدنى لقواعد البروتوكول.. التي تعكس الندية والاحترام المتبادل بين مؤسستين. المشاهد القصيرة اظهرت الخنوع والضعف واختلال العلاقة بين الطرفين.
0 لغة الجسد في السياسة ليست امراً ثانوياً – كما تعلمنا من عزيزنا عبد الماجد عبد الحميد.. فهي تعكس ميزان الثقة والندية بين الأطراف.. وتكشف ما وراء الكلمات من رسائل فعندما تبدو المصافحة مرتبكة أو باهتة.. أو تأتي على طريقة “سلام ناس سوق البصل” كما فعل كامل.. فإنها تعطي انطباعاً عاماً بوجود خلل كبير في شخصيته وتؤكد الغياب التام لمستشاريه.. الأخطر من ذلك أن شخصية كامل التي انخدع بها الشعب السوداني كما حدث مع حمدوك.. تكشف فجوة بين التوقعات والواقع.. ولا أدري لماذا يبدو القادمون من الخارج مختلفين عن السودانيين في الداخل.. حيث الانقطاع في الحس العام وجهل بالمزاج السوداني.
0 البديهي في من يأتي بخلفية دبلوماسية وأممية يفترض أن يكون أكثر حرصاً على المؤسسية والمكانة الدستورية.. وأكثر التزاماً بحدود الصلاحيات، وأشد إدراكاً لأهمية التفاصيل التي تصنع الهيبة والوقار الدستوري.. لكن أداء كامل حتى الآن يوحي بعجزه التام عن فرض شخصيته كرئيس وزراء واستعداده للقبول بواقع مختل حفاظاً على موقعه.
0 المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى رئيس وزراء يدير التوازنات بصمت، أو “يسردب” .. أو يظهر بشخصية مترددة وباهتة بل تحتاج إلى قائد تنفيذي واضح الموقف.. يعلن خلافاته إن وجدت بكل وضوح ويخضعها للمؤسسات ويثبت دور الدولة، أو يحسمها بقرارات جريئة ومسؤولة.. إن إعادة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم ليست مسألة تتعلق بتأهيل جسر أو استئجار مبنى.. إنها عملية ضخمة تبدأ باستعادة الثقة بين مراكز القرار.. قبل استعادة الجدران والمكاتب.. فتعمير المدن بالإرادة السياسية، واعادة المؤسسات باعادة هيبتها أولاً.
0 اللقاء الباهت الذي عقد أمس، والبيانات المعلبة التي تحدثت عن تكامل الجهود والأدوار.. لا تحمل قيمة حقيقية ما لم تترجم إلى إجراءات واضحة وشفافة.. المطلوب اليوم وضوح صريح في التفويض.. وتحديد دقيق للمسؤوليات ومحاسبة علنية لأي تجاوز سواء في العطاءات أو في أوجه الإنفاق العام.. وتغليب مصلحة الدولة على حسابات النفوذ.. لأن البلاد لا تحتمل ازدواجية في القرار ولا صراع صلاحيات يدار عبر الإعلام.
0 ومهما يكن من أمر.. إن ما تبقى من ثقة المواطن لن يقتصر تآكله على الحكومة وحدها، بل سيمتد ليطال ثقته فب كامل أيضاً… إن لم يكن قد تآكل بالفعل ولم يبق منه شيء.
سبب أخير
هل تدخل الرئيس البرهان لسحب ترشيح رئيس الوزراء ومجاملة مستشاره بدر الدين الجعيفري لمنصب مساعد الأمين العام للجامعة العربية.. رغم عدم أهليته للترشح ام لايزال الترشيح سارياً؟
الجمعة 20 فبراير 2026
osaamaaa440@gmail.com










