محمد الحسن محمد نور يكتب: المحور الإقليمي الصاعد وتسليح الجيش السوداني
“الأمن القومي”: حين يقترب التفتيت من نقطة اللاعودة
في لحظات تاريخية بعينها، لا تعود الأسئلة الكبرى متعلقة بجودة الحلول، بل بوجودها من الأساس. والسودان يقف اليوم عند إحدى هذه اللحظات: دولة تتآكل من أطرافها، وسلطة مركزية مهددة بالانهيار، وميليشيات عابرة للحدود تحاول ترسيخ نفسها كأمر واقع، في مشهد إن اكتمل، فلن تكون العودة منه ممكنة. هنا تحديداً، بدأ الإحساس الإقليمي بأن مشروع تفتيت الدول الوطنية لم يعد احتمالاً نظرياً، بل مساراً قطع شوطاً بعيداً نحو نقطة اللاعودة.
لم يتشكّل المحور الإقليمي الصاعد بين الرياض والقاهرة وأنقرة– والمدعوم بعمق تقني وعسكري من إسلام آباد– بوصفه تحالف رغبة أو استعراض قوة، بل كاستجابة اضطرارية لهذا الإدراك المتأخر. فالتفكك الذي بدأ في العراق وسوريا، ثم تمدد في ليبيا واليمن، وجد في السودان بيئة مثالية للانتقال من التفتيت الجزئي إلى التفكيك الكامل. ومن هنا، لم يعد السودان ملفاً من بين ملفات، بل الحلقة التي إن سقطت، سيفتح سقوطها الباب أمام إعادة تشكيل القرن الأفريقي بأكمله على أسس ميليشياوية وهويات ما دون الدولة.
ضمن هذا السياق، أعادت دول المحور تعريف مفهوم الأمن القومي. لم يعد أمن الحدود أو توازن الردع التقليدي هو جوهر التهديد، بل بقاء الدولة الوطنية ذاتها ككيان قادر على احتكار العنف المشروع. وبناءً على هذه القراءة، سقطت كل البدائل الأخرى تباعاً: إدارة الفوضى أثبتت فشلها، والتعويل على توازن الميليشيات أنتج حروب استنزاف بلا نهاية، أما التدويل الإنساني فكان في جوهره بوابة ناعمة لتكريس الكيانات الموازية. عند هذه النقطة، لم يبق سوى خيار واحد قابل للبناء عليه: دعم المؤسسة العسكرية النظامية بوصفها آخر خطوط الدفاع عن فكرة الدولة.
هكذا، برز تسليح الجيش السوداني كمرتكز واقعي لا أيديولوجي. لم يُطرح باعتباره حلاً مثالياً، ولا بوصفه انحيازاً أخلاقياً مطلقاً، بل كخيار الضرورة في مواجهة مسار تفكيك بات يهدد الإقليم بأكمله. ومن هنا تشكّل ما يمكن تسميته بـ”تكتل الضرورة الوظيفي”، تكتل لا تحكمه معاهدات دفاع كلاسيكية، بل قراءة مشتركة للخطر وتوزيع عقلاني للأدوار: تمويل سعودي يضمن الاستمرارية، وثقل مصري يوفر الغطاء السياسي والشرعية الإقليمية، وزخم تركي– باكستاني يمنح القدرة التقنية والعسكرية لتغيير موازين القوى ميدانياً.
هذا التحرك لا يمكن اختزاله في صفقات سلاح أو اصطفافات ظرفية. فهو، في جوهره، حائط صد جيوسياسي في مواجهة مشاريع التقسيم الممنهجة التي جرى التنظير لها مبكراً، كما في خطة عوديد ينون (1982)، والقائمة على تفكيك الدول العربية إلى كيانات طائفية وإثنية يسهل التحكم بها. وفي المقابل، يطرح هذا المحور– ضمناً– معادلة مضادة مفادها أن بقاء الدولة المركزية، حتى بصيغتها الهشة، أقل كلفة استراتيجية من انهيارها الكامل.
تزامن هذا التحول الإقليمي مع لحظة دولية مواتية نسبياً. ففي عام 2026، يسود برود استراتيجي في علاقة واشنطن بحلفائها التقليديين، حيث باتت السياسة الخارجية الأمريكية تُدار بعقلية الصفقة والعائد السريع في ظل مقاربة ترامب. ووفق عقيدة “القيادة من الخلف”، تفضّل الولايات المتحدة تفويض ملفات معقدة لحلفاء إقليميين قادرين، ما دامت النتائج تخدم مصالحها الأساسية دون تورط مباشر. في هذا الإطار، تنظر واشنطن إلى مثلث الاستقرار (الرياض– القاهرة– أنقرة) بوصفه أداة وظيفية لضبط الفوضى في السودان والبحر الأحمر، فتغض الطرف مرحلياً عن التمويل السعودي للسلاح الباكستاني طالما أنه يسهم في تأمين الممرات الملاحية وتقليص النفوذ الروسي.
غير أن هذا الانفتاح التكتيكي يظل محكوماً بسقف صلب يتمثل في أمن إسرائيل. فالالتزام الأمريكي به ثابت، وإن ظل تعريفه متغيراً. ومن هنا ينبع التوجس الإسرائيلي من تقارب الرياض والقاهرة وأنقرة، لما يحمله من قدرة محتملة على فرض حلول إقليمية لا تنسجم مع سيناريوهات التفكيك أو إدارة الفوضى. ومع ذلك، تراهن تل أبيب على دور واشنطن ككابح يمنع تحول هذا التكتل إلى حلف عسكري معادٍ، ويضمن في الوقت ذاته عدم امتلاك الجيش السوداني قدرات نوعية قد تخل بتوازن التفوق في حوض البحر الأحمر.
تُدار المقايضة الكبرى هنا ببراغماتية واضحة: تقنع إدارة ترامب إسرائيل بأن استقرار السودان تحت قيادة الجيش، وبدعم سعودي مباشر، يظل– في هذه المرحلة– أقل كلفة استراتيجية من فوضى الميليشيات، التي أثبتت تجارب المنطقة أنها بيئات مثالية لتوليد تهديدات غير قابلة للضبط.
غير أن هذا المسار لا يمر دون مقاومة. فداخل واشنطن نفسها يحتدم الصراع بين مقاربتين: الأولى ترى في دعم الدولة الوطنية مصلحة أمنية بعيدة المدى، والثانية– المدعومة بلوبيات إقليمية– تفضّل إبقاء الصراعات مفتوحة بوصفها أدوات ضغط وإدارة. وفي هذا السياق، تستخدم السعودية أوراقها الاقتصادية واستقرار أسواق الطاقة، إلى جانب ورقة التطبيع المؤجل، لدفع الإدارة الأمريكية نحو خيار الدولة، مقابل سعي إسرائيل والإمارات لتصوير هذا المحور كتهديد للتوازنات القائمة واتفاقيات أبراهام.
في المحصلة، تلعب واشنطن دور الوسيط الانتهازي: تمنح دعماً تكتيكياً يمنع الانهيار الكامل، لكنها تحرص على ألا يتحول هذا الدعم إلى تأسيس لقدرة ردع عربية مستقلة. ويبقى نجاح هذا المحور في السودان مرهوناً بقدرته على فرض واقع ميداني صلب قبل أن يكتمل مشروع التفتيت. فهنا، لا يدور الصراع حول شكل الدولة أو نظامها السياسي، بل حول سؤال أبسط وأخطر: هل تبقى الدولة، أم يختفي الإطار الذي يجعل أي حديث عن السياسة ممكناً من الأساس؟
26 يناير 2026
هاتف: +971524835766











