نصوص تستحق التوثيق… حين تلتقي الثقافة بالفعل الإنساني
بقلم: صديق السيد البشير
النورس نيوز _ ثمّة قصص لا تعبر عابرة في حياة الشعوب، بل تستقر في الذاكرة الجمعية بوصفها شواهد على المحبة والعمل والمعرفة. قصص تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتستحق أن تُروى، لا باعتبارها سردًا شخصيًا، بل بوصفها وثيقة إنسانية تعبّر عن وطن في لحظات صبره وأمله.
من الشعر تبدأ الحكاية، حيث يطل نص فاروق جويدة، في قصيدته «الصبح حلم لا يجيء»، كمرآة لوجع المدينة العربية، الباردة حدّ الصقيع، المثقلة بالجوع والانكسار، والباحثة عن فجر مؤجل. نص شعري استطاعت مجموعة عقد الجلاد أن تحوّله إلى عمل غنائي مفعم بالإحساس، عبر مزج لافت بين الإيقاعات الأفريقية والشرقية والموسيقى السودانية، في أغنية «عذراً حبيبي»، لتمنح النص بعدًا سمعيًا جديدًا، ويصبح الشعر فعل حياة لا مجرّد كلمات.
فاروق جويدة، الشاعر والصحفي المصري، الذي جمع بين المهنة والإبداع، ترك بصمته في الوجدان العربي عبر قصائد امتزج فيها الهم الإنساني بالبعد الجمالي، فصارت نصوصه مأهولة بالأمل رغم قسوة الواقع، وقادرة على العبور بين الأجيال.
ومن الشعر إلى الحكمة، يحضر صوت الإمام الشافعي، في أبياته الشهيرة التي تلخص موقف الإنسان الأخلاقي من الصلاح والمعصية، لتعيد التذكير بأن القيم، لا المواقع، هي ما يمنح الإنسان مكانته.
وفي سياق الذاكرة والتعليم، تعود تجربة معهد بخت الرضا لتفرض حضورها، بوصفها إحدى العلامات الفارقة في تاريخ التعليم السوداني. تجربة وثّقتها أعمال مرئية بثّتها قناة الشروق في وقت سابق، أعادت الاعتبار للمناهج القديمة، التي لم تكن مجرد أدوات تعليم، بل مشروعًا متكاملًا لصناعة الوعي والمعرفة. ويظل السؤال قائمًا: لماذا لا تُستعاد تلك المناهج، وقد أثبتت قدرتها على تشكيل أجيال محبة للعلم؟
على الأرض، بعيدًا عن النصوص، تمضي مجتمعات محلية في ولاية النيل الأبيض في صناعة واقعها بأيديها. في حلة الجاك بمحلية الدويم، وفي مناطق دِرّة وبقبقت والرواء بمحلية قلي، تتقدّم المبادرات الشعبية بخطى ثابتة، لتشييد مرافق صحية وتعليمية وخدمية، في مواجهة سنوات طويلة من الحرمان التنموي. جهود أهلية يقابلها حراك رسمي يسعى لدعمها، في محاولة لتثبيت الاستقرار وبناء تنمية مستدامة.

وفي الجانب الإنساني، تبرز أدوار المنظمات الطوعية، وفي مقدمتها منظمة كوستي للثقافة والتنمية، التي وسّعت أنشطتها بين الإغاثة والدعم النفسي والتكريم الثقافي، مستهدفة النازحين والمتأثرين بالحرب، عبر برامج شملت الغذاء والدواء والتوعية، داخل مدينة كوستي وفي محيطها، وصولًا إلى مدينة الدويم.
كما شكّلت مبادرات مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، من خلال مشروع «مبادرة مدد السودان»، إضافة مهمة في دعم آلاف الأسر النازحة من كردفان ودارفور، بالتنسيق مع الجهات الرسمية والمنظمات الوطنية.
ولا تكتمل الصورة دون التوقف عند نماذج إنسانية فردية، مثل عبدالله الفكي جمعة (أبو مصعب)، الذي كرّس سنوات اغترابه في دعم التعليم والصحة والمياه وبناء النسيج الاجتماعي، في مثال حيّ على كيف يمكن للفرد أن يتحول إلى مؤسسة خيرية تمشي على قدمين.
وفي حقل الإعلام، تمتد التجربة المهنية للأستاذ عبدالماجد أحمد الحسن لأكثر من ثلاثة عقود، بين العمل التلفزيوني، والتدريس الجامعي، والبحث العلمي، ليشكل نموذجًا للإعلامي الذي جمع بين الممارسة والمعرفة، وأسهم في إعداد أجيال جديدة من الإعلاميين وصناع المحتوى.

وفي ختام هذه اللوحة المتنوعة، يطل الشعر مجددًا، عبر «حولية الوطن» لعبد اللطيف مجتبى، كنشيد حب للوطن، مكتوب بلغة الرموز والتاريخ والبطولة، ليؤكد أن الثقافة، في جوهرها، فعل مقاومة ضد النسيان.









