
الجنرال عدوي… ماذا تقول الأرقام حين يصمت الضجيج؟
بقلم: رشان أوشي
النورس نيوز _ في لحظات الأزمات الكبرى، تميل المجتمعات إلى اختصار الأسئلة المعقدة في إجابات انفعالية، ويصبح النقد – أحيانًا – بديلاً عن التحقق، والضجيج بديلاً عن الأرقام. هذا ما لاحظته خلال الأشهر الماضية مع تصاعد الهجوم الإعلامي على سفارة السودان بالقاهرة، وسفيرها الفريق أول ركن عماد الدين عدوي، وسط اتهامات متداولة لا تستند – في معظمها – إلى بيانات موثقة أو قراءة موضوعية للواقع.
وبحكم أنني لم أكن ضمن موجة اللجوء إلى مصر عقب اندلاع الحرب، ولم أتعامل مباشرة مع السفارة، فقد اخترت أن أبحث لا أن أنحاز، وأن أستمع للأرقام لا للانطباعات. تواصلت مع صحفيين، واطلعت على إفادات من داخل أروقة العمل الدبلوماسي، وكانت النتيجة مفارقة لخطاب السخط السائد.
قبل الحكم على أداء أي بعثة دبلوماسية، لا بد من وضع السياق في اعتباره. سفارة السودان بالقاهرة لا تعمل في ظروف طبيعية، ولا تخدم جالية مستقرة، بل تواجه واقعًا استثنائيًا يتمثل في أكثر من خمسة ملايين سوداني، غالبيتهم دخلوا مصر بلا وثائق مكتملة، وبلا شبكات أمان اجتماعي، في واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ البلاد الحديث.
ورغم ذلك، تُظهر البيانات الرسمية أن السفارة أنجزت خلال عامي 2024 و2025 عشرات الآلاف من المعاملات القنصلية، شملت إصدار جوازات السفر، والرقم الوطني، ووثائق السفر، وشهادات الميلاد، والتأشيرات، ومعاملات المرحّلين والمشمولين، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة نفسها من الشلل والانقسام.
في الجانب الصحي، تولت المستشارية الطبية مسؤوليات مضاعفة، حيث تعاملت مع ما يقارب مئة ألف معاملة، شملت شهادات اللياقة، والتقارير الطبية، واعتماد الوصفات، ومتابعة ملفات العلاج، في ظل هشاشة النظام الصحي وتداخل المرجعيات، وهو جهد لا يمكن التقليل من شأنه أو اختزاله في سردية الفشل.
أما تنظيم المهن الطبية، فقد شهد نشاطًا مكثفًا شمل تسجيل وتجديد تراخيص آلاف الكوادر الصحية، وإجراء امتحانات مزاولة المهنة، والتحقق من المؤهلات، في مسعى لحماية المعيار المهني وسط فوضى الحرب والهجرة القسرية.
وفي ملف التعليم، واجهت السفارة أحد أعقد التحديات، بإشرافها على أوضاع أكثر من 70 ألف طالب سوداني في مراحل التعليم المختلفة، إلى جانب توفيق أوضاع المدارس السودانية، والتنسيق مع السلطات المصرية، وتوفير منح دراسية وتدريبية في الجامعات والمعاهد، وهي ملفات لو تُركت بلا إدارة لتحولت إلى أزمة اجتماعية طويلة الأمد.
ورغم محدودية الموارد، كشفت الأرقام عن تقديم دعم اجتماعي مباشر للاجئين بملايين الجنيهات المصرية، وُجِّه إلى الأسر الأكثر هشاشة، إضافة إلى دعم صحي، في وقت تعاني فيه معظم البعثات الدبلوماسية من تأخر الرواتب وشح التمويل.
ما تقوله هذه الأرقام ليس ادعاء الكمال، ولا إنكار وجود إخفاقات أو تجاوزات محتملة، لكنه يفرض سؤالًا أكثر عدالة: هل نقيم الأداء بمعايير الأزمة أم بمعايير الرفاه؟ وهل يجوز اختزال مؤسسة بهذا الحجم من العمل في صورة عابرة أو انطباع غاضب؟
النقد حق، بل ضرورة، لكن أخطر ما يواجه الرأي العام هو الفراغ المعلوماتي، حين تُستبدل الوقائع بالاتهامات، وتُمحى الأرقام أمام سطوة الانفعال. في زمن الحرب، قد لا تكون السفارات مثالية، لكنها – حين تعمل وسط هذا الركام – تستحق أن تُقيَّم بميزان الحقائق لا بحد السكاكين.








