
أضحكني… ولكن لله الخفايا ولنا حُسن الظنون
مقالات _ النورس نيوز _ في أحد الأحياء السكنية الهادئة، حيث يقتصر السكن على الأسر، برز شخص واحد مختلف عن الجميع؛ لم يكن مختلفًا بسلوك أو هيئة، بل بحاله الاجتماعي فقط. كان “العزابي” الوحيد في الحي، حتى صار اللقب جزءًا من هويته اليومية، بل تعدّى ذلك ليصبح علامة جغرافية غير رسمية.
فهذا “شارع العزابي”، وتلك “شجرة العزابي”، وذلك “دكان العزابي”، وحتى موقف الحافلات القريب من منزله لم ينجُ من التسمية. أما الجيران، فكانوا يعرّفون أنفسهم بقولهم: “نحن جيران العزابي”.
تراكم اللقب مع الزمن حتى أصبح عبئًا نفسيًا، لا مزحة عابرة. ومع مرور الأيام، قرر الرجل أن يضع حدًا للحكاية، فشدّ الرحال إلى قريته، وتزوج ابنة عمه، ثم عاد بها إلى البيت نفسه، ظنًّا أن تغيير الواقع سيُسقط اللقب تلقائيًا.
غير أن المفارقة جاءت في مشهد لا يخلو من طرافة. عاد ذات يوم من عمله ليجد مجموعة من النسوة أمام منزله يحملن أواني الطعام. وحين استفسر عن الأمر، جاءه الرد العفوي:
“ولا حاجة… نحن ماشين نتغدى مع مرّة العزابي!”
فضجّ المكان بالضحك، وبدا واضحًا أن بعض الأوصاف، إذا ترسّخت في الوعي الجمعي، لا تزول بسهولة.
هذه الحكاية البسيطة، التي أضحكتني، تحمل في طياتها معنى أعمق من مجرد موقف طريف. فهي تذكّرنا بأن الإنسان إذا وُضع في سياق لا يشبهه، أو بيئة لا تعكس حقيقته، سيظل محاصرًا بصورة ذهنية يصنعها الآخرون عنه، مهما حاول تغيير واقعه.
ومن هذا المعنى الإنساني يمكن إسقاط الدرس على حالات أوسع، دون تشهير أو تعميم. فبعض الأفراد الذين زُجّوا في مسارات خاطئة أو اختيارات لم تكن موفقة كالذين دخلو مع الدعم السريع ، قد يتركونها لاحقًا، لكن آثار التجربة تظل تلاحقهم اجتماعيًا ونفسيًا، لا لأنهم لم يتغيروا، بل لأن الذاكرة الجمعية لا تنسى بسهولة.
وهنا، يبقى الفرق بين الإدانة والتفهّم، وبين الحكم المسبق وحُسن الظن. فليس كل من أخطأ يُدان إلى الأبد، ولا كل من تعثر يُختزل في لحظة واحدة من حياته.
لله الخفايا، ولنا حُسن الظنون… إن أردنا أن نكون مجتمعًا يتعلّم، لا مجتمعًا يُحاكم بلا نهاية.
بقلم: مهند عباس العالم










