من شظف الفيافي إلى ألق الشاشة: حكاية “جلكسي” الذي صاغ من التحديات نورًا لقناة البحر الأحمر
النورس نيوز
من شظف الفيافي إلى ألق الشاشة: حكاية “جلكسي” الذي صاغ من التحديات نورًا لقناة البحر الأحمر
الحسن خليفه اور
في خضمّ المسيرة الإعلامية السودانية، حيث تتعالى الأصوات وتتشابه الصور، تبرز بين الحين والآخر قصصٌ لا تُروى بالكلمات فحسب، بل تُحفر في ذاكرة المكان والإنسان. إنها حكايات الرجال الذين لا يعرفون المستحيل، أولئك الذين يُعاد تعريف البطولة على أيديهم، فتتحول من مجرد لحظة عابرة إلى نهج حياة. ومن بين هؤلاء، يطلّ علينا اسمٌ لمع في شرق السودان، على ضفاف البحر الأحمر، حيث التحديات عصية، والطموحات عريضة، والإرادة تصنع الفارق. إنها قصة إعلامي استثنائي، لم يركن إلى يأس، ولم يستسلم لواقع مرير، بل انطلق من إيمانه بأن الإعلام رسالة، وأن الشاشة نافذة الأمة على ذاتها، ليُعيد إلى قناة البحر الأحمر نبضها، وإلى أهلها ثقتهم، وإلى الإعلام الولائي مجده. إنه الأستاذ أحمد محمد طاهر، الذي عرفه الناس عن قرب بلقب “أحمد جلكسي”، ذاك اللقب الذي صار علامةً فارقةً في دنيا الإبداع والإصرار.
_______
لقد كنتُ، مثل كثيرين غيري، من أوائل المتفائلين بلحظة تعيينه مديراً لهيئة الإذاعة والتلفزيون بولاية البحر الأحمر. لم يكن هذا التفاؤل وليد عاطفة عابرة، بل كان إدراكاً عميقاً بأن الرجل المناسب قد حلّ في المكان المناسب، وأن روحاً قياديةً من طراز فريد قد تسلّمت زمام سفينة كانت تتقاذفها أمواج الصعاب. لقد جاء “جلكسي” في توقيت كانت القناة فيه تواجه تحدياتٍ هائلة، لم تكن لتُحلّ بالتمنيات، ولا بالأدوات التقليدية. كان المشهد قاتماً: تمويل ضعيف يكاد يُوقف نبض البث، وثقة مواطن تآكلت تدريجياً، حتى غدت الشاشة الولائية غريبةً عن أهلها، بعيدةً عن همومهم وأفراحهم. وجد الرجل نفسه أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يعيد للقناة بريقها وثقة جمهورها، أو أن يرفع الراية البيضاء مستسلماً لواقعٍ يقول إن الإمكانيات معدومة والفرص ضئيلة. وكعادة الكبار، اختار الطريق الأصعب، الطريق الذي لا يسلكه إلا من أوتوا بصيرةً نافذةً، وقلوباً عامرةً بالإيمان بأن البدايات البسيطة، إذا صاحبتها عزيمة صادقة، تصنع الفارق حتماً.
______
وهنا، بدأت حكاية التحوّل العجيب. لم يجلس “جلكسي” خلف المكاتب الفارهة، ولم تطوِه دهاليز البيروقراطية، ولم تأسره رتابة الاجتماعات المغلقة. بل فعل ما لم يتوقعه أحد: غادر كل ذلك إلى حيث الإنسان، إلى حيث الحكاية، إلى حيث جوهر رسالة الإعلام. انطلق إلى الفيافي المترامية، حيث للصمت حكاية، وللريح أغنية. وتسلّق الجبال الشاهقة، حيث تروي الصخور أساطير الصمود. وجاب السواحل الساحرة، حيث يمتزج عبق البحر بزرقة السماء، وحيث يعيش أهل البحر الأحمر حياتهم البسيطة المليئة بالتفاصيل. لم يذهب كزائر، بل ذهب وهو ابن هذه الأرض البارّ، والمتحدث بلسان أهلها، والعاشق لترابها. وبسبب هذا القرب، استطاع أن يخترق حجاب القطيعة، ليقترب من المواطن، ويسمع منه مباشرةً همومه وأحلامه. وهكذا، شيئاً فشيئاً، صارت قناة البحر الأحمر، تحت قيادته، مرآةً حقيقيةً للمجتمع، تعكس وجهه الأصيل، بملامحه الخشنة أحياناً، والباسمة أحياناً كثيرة.
_____
لم تكن خصوصية البحر الأحمر كولاية تجمع أثواب السودان المختلفة، ثقافاتها المتنوعة، وإرثها الإنساني الثري، لتغيب عن بصيرته. بل جعل من هذا التنوع الجميل جوهر رسالة القناة، وأساس هويتها الجديدة. فعلى شاشته، لم يعد المشاهد يرى صورةً أحادية، بل لوحةً سودانيةً بديعة، تعبر عن وحدة نسيج هذا الوطن، وتُجسّد انصهاره الثقافي الفريد. من ثقافة “البجا” العريقة وألحانها الضاربة في جذور التاريخ، إلى حياة “السماكة” وأهازيجهم التي تعانق الموج، وصولاً إلى فنون الشمال بقوالبها الرفيعة، وإيقاعات الغرب النابضة بالحياة، وتراث الجنوب الغنيّ بألوانه، كل ذلك تكامل في فسيفساء إعلامية أنيقة، روت حكاية مجتمعٍ يتّسع للجميع، وتنبذ نبضاته بالوحدة في أبهى صورها.
______
وهكذا، وبصبر الصيادين، وحكمة الشيوخ، وإصرار الجبليين
____
الذين عاشرهم، نجح أحمد جلكسي في تذليل ما بدا للكثيرين مستحيلاً. أعاد ترتيب الأوراق، ورمّم ما تهدم، وزرع الأمل حيث كان اليأس، ليُطلّ على المشاهدين من جديد، ليس بقناة بالية الثوب، بل بقناة البحر الأحمر في أثوابها الأنيقة، ببرامج هادفة، وصورة نقيّة، ورسالة تليق بإنسان هذه الولاية الصامدة وطموحات أهلها العريضة. لقد أثبت “جلكسي” أن الفكرة إذا حملها رجل مؤمن، فإنها تصبح نوراً، وأن الأزمة متى واجهتها عزيمة صادقة، تحولت إلى منحة، وأن الإعلام الحق هو ذاك الذي ينبض بهموم الناس، وينطلق من بينهم، لا من خلف الجدران.
_____
وفي الختام،
_____
لا بد من كلمة حقّ تُقال، فشكراً بحجم السماء للسيد الفريق مصطفى محمد نور، الذي أحسن الاختيار حين وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأعطى الفرصة لأهل الاختصاص ليُحدثوا التغيير الحقيقي من الداخل. فكم من كفاءات تحتاج فقط إلى من يمنحها الثقة، ويفتح لها الباب، لتُذهل الجميع بما تحمله من قدرات، تماماً كما فعل “جلكسي” الذي صار اسمه اليوم، بجدارة، حكايةً تُروى، وأسطورةً إعلاميةً تُضيء الطريق للأجيال القادمة.











