حديث المدينة | الاثنين 6 أبريل 2026
أحتفي دائمًا بتعليقات القراء والمتابعين في مختلف الوسائط، وأحرص على الرد عليها قدر ما يتيسر لي من وقت. لكنني أقرأ كل كلمة باهتمام كبير، ليس انتظارًا لكلمات الإطراء (دون أن أقلل من قيمتها)، بل بحثًا عن الرأي الآخر الذي ينتج الحكمة، انطلاقًا من قول: «نصف رأيك عند أخيك»، وعلى مبدأ: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
أمس، كتبت في الوسائط أعبر عن دهشتي من إعلان الحكومة قائمة الرسوم التي يدفعها المواطن لأداء شعيرة الحج هذا العام، والتي تضمنت تحديد الرسوم المطلوبة من حجاج ولايات دارفور وكردفان. تساءلت حينها: طالما أن الحكومة تتحصل على رسوم باسم هذه الولايات، فلماذا لم تهتم بعقد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية لمئات الآلاف من طلابنا في دارفور وكردفان؟
أحد المعلقين على فيسبوك قال لي: «بدلًا من أن تنتقد، لماذا لا توضح لنا كيف تعقد الحكومة امتحانات الشهادة السودانية في هذه الولايات؟»، ويقصد بذلك أنها خاضعة حاليًا لسيطرة قوات التمرد.
ورغم أنني سبق أن كتبت مقترح حل لهذه المسألة، وتحدثت عنه في «لايف» على فيسبوك أيضًا، إلا أنه لا بأس من استعادة الفكرة بشيء من التفصيل.
من الحكمة أن نضع الأهداف دائمًا قبل البحث عن الحلول. فلنجب عن السؤال الأهم: لماذا يجب أن نعقد امتحانات الشهادة السودانية في جميع أرجاء السودان، بل وفي كل موقع يتيسر في الخارج حيث توجد أعداد كبيرة من السودانيين في المهجر أو اللجوء؟
الهدف الأسمى هو المحافظة على الوجود المعنوي للدولة السودانية. فالدولة الحقيقية تنشأ في وجدان مواطنيها قبل أن تكون مجرد جغرافيا أو حدودًا سياسية. وترسيخ الوجدان الوطني ينشأ دائمًا من الارتباط العضوي بين الوطن والمواطن، ليس في الإجراءات الإدارية فحسب، بل في ارتباط المواطن بوطنه في كل مراحل حياته.
شهادة الثانوية السودانية تعد واحدة من أهم ممسكات الوحدة الوطنية، لأنها المنصة الحتمية لانطلاق كل السودانيين والسودانيات نحو مرحلة مهمة في حياتهم. ولا ينقص هذا من وطنية طلابنا الذين يجلسون لامتحانات أخرى.
عندما تصر الحكومة على إجراء امتحانات الشهادة السودانية في دارفور وكردفان، فإن المعنى يتجاوز عدد الطلاب الذين سيجلسون للامتحان. فحتى لو جلس طالب واحد فقط، فالمحك هو توفر حق الامتحان في دارفور وكردفان لكل بناتنا وأولادنا.
ولتحقيق هذا الهدف، قد يتطلب تنظيم الامتحانات في ولايات دارفور وكردفان تنسيقًا مع قوات الدعم السريع، بما أنها تسيطر على هذه المناطق. ولن يكون ذلك حدثًا معزولًا، فأمامنا مثال واضح في منطقة هجليج، حيث توصلت أطراف السودان وحكومة جنوب السودان من جهة، والدعم السريع من جهة أخرى، إلى اتفاق يسمح باستمرار تدفق النفط وتشغيل كل الآبار.
تتولى قوات جنوب السودان حماية المنطقة المركزية، بينما يوفر الدعم السريع الحماية لفرق العمل الهندسية المشرفة على الحقول، نظرًا لأن الآبار موزعة ومتباعدة لعشرات الكيلومترات. وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق بسهولة وسرعة، ولا يزال صامدًا حتى الآن.
ومن الممكن الاتفاق على أن تتولى الشرطة السودانية التابعة للحكومة الشرعية في الخرطوم حماية وحراسة الامتحانات ومقار انعقادها في ولايات دارفور وكردفان، بينما تتولى لجنة امتحانات السودان المركزية في الخرطوم إرسال ممثليها أو تعيين إداريين ومراقبين في المناطق الخاضعة لسيطرة التمرد.
الأمر أقرب إلى نموذج مراكز الامتحانات التي تنظم خارج السودان.
والمطلوب ألا يفقد الطالب السوداني، أينما وجد، فرصة اجتياز امتحان الشهادة والعبور إلى المرحلة الجامعية.









