توثيق – النورس نيوز ـ في واحدة من أكثر اللحظات كشفاً للصراع بين سلطة النص ونص السلطة، سجل التاريخ الثقافي العربي في الحادي والعشرين من أغسطس عام 1996، موقفاً مهيباً للأديب السوداني العالمي الطيب صالح. جاء ذلك رداً على قرار السلطات السودانية آنذاك القاضي بحظر تدريس روايته الأيقونية “موسم الهجرة إلى الشمال” في الصروح الجامعية، وهو القرار الذي وصفه عبقري الرواية العربية بـ “الهستيري” والمجافي لمنطق الدول العاقلة.
أبدى صاحب “دومة ود حامد” دهشةً مشوبةً بأسىً بليغ، ليس انحيازاً لذاته ككاتب، بل رثاءً للحكمة التي غادرت أروقة القرار. ففي الوقت الذي كانت فيه الرواية قد طافت الآفاق، وتُرجمت إلى نحو عشرين لغة عالمية، واستقرت على رفوف كبريات الجامعات في الشرق والغرب، جاء القرار الوطني ليحاول “إغلاق باب الإسطبل بعد هروب الحصان”؛ في إشارة رمزية إلى أن الفكر حين يخرج إلى النور، لا تملكه حدود المنع ولا مقصات الرقيب.
اشتباك المثقف مع الراهن
لم يوارِ الطيب صالح حقيقة أن هذا المنع قد يكون ثمرةً لمواقفه الفكرية الجريئة تجاه السلطة، مؤكداً بلسان المثقف العضوي أن ممارسات النظام آنذاك قد فتتت النسيج الاجتماعي والقيم التي أرساها الآباء والأجداد. لقد رأى في الحظر محاولةً يائسة لترميم صورة مهتزة، عبر قمع عمل إبداعي صار جزءاً من الوجدان العالمي، معتبراً أن من يزعزع قيم المجتمع ليس “الكلمة” بل “السياسة” حين تتصادم مع طبيعة وأخلاق الشعب.
خلود النص وانحسار الرقابة
تبقى هذه الحادثة توثيقاً لمحطة فارقة، أثبتت أن “موسم الهجرة إلى الشمال” لم تكن مجرد رواية، بل كانت اختباراً لقدرة الأنظمة على استيعاب النقد والفن. وكما تنبأ صالح، فقد ظلت الرواية شمساً لا تغيب، بينما انحسرت القرارات الرقابية لتصبح مجرد هوامش في سجلات التاريخ، مؤكدةً أن الحصان الإبداعي حين يركض في براري الحرية، لا تجدي معه الأقفال المتأخرة نفعاً.











