قضية غامضة في الخرطوم عام 1967.. لماذا أُطلق سراح متهم بالتجسس رغم خطورة الاتهامات؟
النورس نيوز
قضية غامضة في الخرطوم عام 1967.. لماذا أُطلق سراح متهم بالتجسس رغم خطورة الاتهامات؟
الخرطوم – النورس نيوز
تكشف واحدة من الوقائع المثيرة في التاريخ القانوني والسياسي بالسودان عن قصة غير مألوفة تعود إلى ستينيات القرن الماضي، عندما وجدت السلطات في الخرطوم نفسها أمام معضلة قانونية غير متوقعة بعد توقيف رجل اتُّهم بالتعاون مع جهاز استخبارات أجنبي، قبل أن تنتهي القضية بإطلاق سراحه بسبب غياب نص قانوني واضح يتيح محاكمته بتهمة التجسس.
القضية التي شغلت الرأي العام آنذاك تعود إلى عام 1967، حين ألقت السلطات السودانية القبض على رجل يُدعى ريشس هبدغوني، وهو صاحب حانة في الخرطوم، بعد الاشتباه في تعاونه مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وقد أثار توقيفه في ذلك الوقت اهتماماً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة أن التهمة التي وُجهت إليه تتعلق بقضية حساسة تمس الأمن القومي.
وبحسب تفاصيل القضية التي تداولتها الصحافة الدولية آنذاك، فإن عملية الاعتقال جرت في 28 أغسطس من عام 1967، عندما أعلنت السلطات أنها تحقق مع هبدغوني للاشتباه في قيامه بأنشطة مرتبطة بجمع معلومات لصالح جهات أجنبية. لكن المفاجأة التي ظهرت لاحقاً كانت أن الإجراءات القانونية التي بدأت ضد الرجل لم تستمر طويلاً، بعدما اكتشفت الجهات المختصة أن القانون السوداني في ذلك الوقت لا يتضمن نصاً صريحاً يجرّم التجسس أو يحدد آلية واضحة لمحاكمة المتهمين بهذه التهمة.
هذا الفراغ التشريعي وضع السلطات في موقف معقد، إذ لم يكن بالإمكان الاستمرار في احتجاز المتهم أو تقديمه للمحاكمة دون وجود مادة قانونية واضحة تستند إليها المحكمة. ونتيجة لذلك، اضطرت الجهات المختصة إلى الإفراج عنه بعد فترة من توقيفه، في خطوة أثارت دهشة كثير من المتابعين في ذلك الوقت.
ومع تعذر المضي في محاكمة المتهم، أعلنت السلطات السودانية حينها أنها تدرس خياراً آخر يتمثل في سحب الجنسية السودانية من هبدغوني وترحيله خارج البلاد، باعتبار أن هذا الإجراء قد يكون بديلاً قانونياً عن محاكمته. إلا أن هذا التوجه واجه أيضاً جدلاً واسعاً في الصحافة السودانية، حيث رأت بعض الصحف أن القضية لا ينبغي أن تنتهي دون كشف كامل للحقائق أمام الرأي العام.
وفي ذلك السياق، نشرت صحيفة “الأيام” السودانية تساؤلات مباشرة حول كيفية التعامل مع القضية، متسائلة عمّا إذا كان من الممكن إصدار تشريع بأثر رجعي يسمح بمحاكمة المتهم وإظهار تفاصيل القضية أمام القضاء. وقد عكست هذه التساؤلات حالة النقاش الواسع التي شهدتها الساحة السياسية والإعلامية في الخرطوم آنذاك، خاصة أن القضية كانت مرتبطة بملف حساس يتعلق بالأمن والسيادة الوطنية.
أما المتهم نفسه، ريشس هبدغوني، فقد كان شخصية مثيرة للاهتمام في تلك الفترة. فهو سوداني المولد لكنه ينحدر من أصول أرمينية، وكان يدير نشاطاً تجارياً في العاصمة الخرطوم. وعندما طرحت فكرة ترحيله من البلاد، أعلن رفضه مغادرة السودان، مؤكداً تمسكه بالبقاء في البلد الذي وُلد فيه حتى لو قررت السلطات اتخاذ إجراءات بحقه.
وقد زادت هذه التصريحات من الاهتمام الشعبي بالقضية، خصوصاً أن القضية أخذت أبعاداً سياسية وإعلامية واسعة، وتحوّلت إلى موضوع نقاش في المجالس والصحف وحتى في بعض الأوساط الثقافية.
ومن الطرائف التي رافقت تلك الحادثة أن إحدى دور السينما في الخرطوم استغلت الضجة الإعلامية التي أثارتها القضية، فقررت عرض فيلم يحمل عنوان “أوه، هؤلاء الجواسيس السريون جداً”، في إشارة ساخرة إلى الجدل الذي كانت تعيشه العاصمة السودانية بسبب هذه القضية. وقد عكس ذلك مدى حضور القضية في الحياة العامة آنذاك، حيث تجاوزت حدود الأخبار السياسية لتصبح موضوعاً متداولاً في الشارع السوداني.
ورغم أن القضية انتهت دون محاكمة رسمية، فإنها بقيت واحدة من الأمثلة التي كثيراً ما تُستشهد بها عند الحديث عن تطور التشريعات الجنائية في السودان، خاصة في ما يتعلق بالجرائم المرتبطة بالأمن القومي والتجسس.
وبمرور السنوات، شهد القانون السوداني تعديلات عديدة هدفت إلى سد مثل هذه الثغرات القانونية، حيث أُضيفت مواد واضحة تتعلق بجرائم التجسس والتخابر مع جهات أجنبية، وأصبحت هذه الجرائم من القضايا التي تخضع لإجراءات قانونية محددة وعقوبات صارمة في حال ثبوتها.
المصدر:
وكالة أسوشيتد برس










