سفارة بلا ظل إنساني… حين تتحول البعثة الدبلوماسية إلى عبء على شعبها
كتب محمد عثمان الرضي
اليوم الثلاثاء العاشر من شهر فبراير 2026 قصدت مقر سفارة السودان بالقاهرة، لا بدافع الخصومة ولا بنية التصعيد المسبق، وإنما بدافع الواجب المهني والأخلاقي في الوقوف على حقيقة ما يتداوله السودانيون من شكاوى ومعاناة.
منذ لحظة وصولي إلى أرض الكنانة، لم تنقطع روايات السودانيين الفارين من أتون الحرب عن سوء المعاملة وجفاء الخدمات داخل سفارتهم، روايات متطابقة في الألم ومتشابهة في التفاصيل حدّ يثير القلق.
في البداية تعاملت مع هذه الأحاديث باعتبارها إفرازاً طبيعياً للغضب والضغط النفسي الذي يعيشه اللاجئون، وظننت أن جزءاً منها مبالغات تهدف للنيل من صورة السفارة أمام الرأي العام.
غير أن المشهد الذي واجهني أمام مبنى السفارة كان كفيلاً بتبديد كل شك، حيث تكدس المواطنون بأعداد كبيرة في مشهد أقرب إلى طوابير الإهمال لا إلى طوابير الخدمة.
داخل فناء السفارة يجلس عدد محدود من المواطنين في صفوف طويلة، لا لانتظام الإجراءات بل لطول الانتظار وغياب أي مؤشرات واضحة على سير العمل.
لا لوحات إرشادية، ولا موظف مخصص للتوجيه، ولا نظام واضح، الجميع يتنقل بين المكاتب يسأل ويستفسر، وكأن السفارة نفسها تبحث عن دورها.
الوجوه المنهكة تحكي ما تعجز الكلمات عن وصفه، بؤس واضح، وألم صامت، وكرامة تنتهك كل يوم تحت وطأة التجاهل.
الوصول إلى مباني السفارة الجديدة يمثل عبئاً مالياً إضافياً، إذ تبلغ تكلفة الذهاب والعودة قرابة 500 جنيه مصري، وهو مبلغ كبير على مواطن أنهكته الحرب واللجوء.
داخل السفارة بوابتان، إحداهما للمواطنين البسطاء المغلوب على أمرهم، والأخرى أطلق عليها “بوابة السفير”، مخصصة لكبار المسؤولين والشخصيات المهمة.
هذا الفصل الصارخ بين أبناء الوطن الواحد يعكس فلسفة إدارية مقلقة، تجعل من المواطن آخر الأولويات.
غادرت مقر السفارة وأنا أحمل غضباً وحزناً عميقين، خاصة عندما شاهدت كبار السن والعجزة يعانون بصمت دون أن يلتفت إليهم أحد.
لا كراسٍ مناسبة، لا تسهيلات خاصة، لا اعتبار لضعفهم الجسدي، وكأنهم عبء يجب احتماله لا مواطنين يجب خدمتهم.
سبق لي زيارة العديد من سفارات الدول الأخرى، وشاهدت نماذج راقية للتعامل الإنساني وسرعة الإنجاز واحترام وقت وكرامة المراجع.
مقارنة بسيطة تكشف حجم الفجوة بين ما يجب أن تكون عليه السفارة وما هي عليه فعلاً.
مقر السفارة الجديد فخم إلى حد الصدمة، أثاث فاخر، تجهيزات باهظة، وإنفاق يقدر بملايين الدولارات من مال الشعب السوداني.
كان الأجدر أن تنعكس هذه الملايين على تحسين الخدمات، لا على تلميع الجدران وتمليس المقاعد.
كنت أتمنى مقابلة سفير السودان بالقاهرة السفير عماد عدوي، لنقل معاناة المواطنين والاستماع إلى وجهة نظره، لكن ذلك لم يتيسر.
تواصلت قبل أيام مع سكرتيرته الخاصة لتحديد موعد، غير أن الرسالة لم تُقرأ ولم يُرد عليها، في دلالة أخرى على القطيعة مع هموم الناس.
زيارتي لم تكن للفرجة على المقر الجديد، ولا للاستمتاع بديكوراته، ولا لملاحظة أناقة ربطات العنق داخل المكاتب.
كما لم تكن هدفي يوماً البحث عن مساعدات أو عطايا أو هبات، فالقضية أكبر من ذلك بكثير.
القضية قضية كرامة وطنية وخدمة عامة وحق أصيل لمواطن يدفع ثمن الحرب مرتين.
في آخر لقاء لي مع وزير الخارجية السوداني السفير محيي الدين سالم، رسم لي صورة وردية عن أداء السفارة وتطور خدماتها القنصلية.
ما رأيته على أرض الواقع كان نقيض تلك الصورة تماماً، وكأن الحديث يدور عن سفارة أخرى في بلد آخر.
مع كامل احترامي للسفراء من ذوي الخلفيات العسكرية، إلا أن العمل الدبلوماسي بطبيعته يحتاج إلى خبرات مهنية متخصصة في التعامل مع الجمهور.
السفير المهني يعرف كيف يدير الملفات الحساسة، وكيف يحتوي الغضب، وكيف يحول السفارة إلى ملاذ لا إلى ساحة شكوى.
العواصم الكبرى مثل القاهرة تحتاج إلى سفراء استثنائيين، بقدرات استثنائية، لأنهم يديرون ملفات سياسية وأمنية وإنسانية شديدة التعقيد.
ما خرجت به اليوم من السفارة كان شعوراً عميقاً بالإحباط واليأس، وأنا أشاهد شعباً عظيماً أنهكته الحرب ويُخذل حتى في أبسط حقوقه.
هذا الشعب الذي ذاق ويلات مليشيا الدعم السريع، كان أولى أن تُصان كرامته وأن يجد في سفارته سنداً لا عبئاً إضافياً.
غادرت مباني السفارة وأنا أعض على أصابع الحسرة، ولساني يردد: ليتني لم أصدق، لكنني رأيت، وكتبت، وفعلت، من أجل شعب مكلوم يستحق أفضل مما هو عليه اليوم.










