
إلى منسوبي الدعم السريع: هل نحن جند الله؟
بقلم: مهند عباس العالم
قبل الحرب، كانت المدارس في السودان مكانًا لتشكيل الوعي الوطني، وكان نشيد العلم السوداني يُردد كل صباح، لا باعتباره كلمات محفوظة، بل كتعهد أخلاقي بين الطالب ووطنه. “نحن جند الله، جند الوطن، إن دعا داعي للفداء لم نخن”. جملة قصيرة لكنها تختصر معنى الانتماء والمسؤولية، وتضع الوطن فوق الجهة، والدولة فوق السلاح، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار. واليوم، وسط ضجيج الحرب وانقسام السلاح، يفرض هذا السؤال نفسه بإلحاح: هل ما زالت تلك الكلمات حاضرة في الوعي الجمعي؟ أم أن صوت البنادق غطى على صوت الضمير؟ هذا المقال لا يُكتب من موقع خصومة، ولا من منصة كراهية، بل من منطلق وطني واضح، فالجيش السوداني هو المؤسسة الوطنية التاريخية الجامعة لكل السودانيين، وكل سوداني حمل السلاح يومًا ما كان يفترض أن يحمل هذا المعنى قبل أي شيء آخر.
خلال سنوات الحرب، تصاعد خطاب يقوم على فكرة الظلم التاريخي والهامش والمركز، وهو خطاب ربما يجد جذوره في واقع من التفاوت التنموي، لكنه اليوم تحوّل عند بعض الشباب إلى مبرر لحمل السلاح خارج الدولة، وتفكيك المجتمع، وتبرير العنف ضد المدنيين. عشت سنوات طويلة في مدن السودان المختلفة، وشهدت تنوعه الواسع، ولم يكن الانتماء الجهوي هو ما يحدد قيمة الإنسان، بل أخلاقه، وعمله، واحترامه للآخر. وحين سافرت إلى مناطق بعيدة عن المركز، رأيت الفقر والإهمال، نعم، لكنني لم أرِ عداءً فطريًا بين السودانيين. ما يثير القلق اليوم ليس اختلاف الرؤى، بل تحوّل الاختلاف إلى سلاح، والسلاح إلى هوية. المفارقة المؤلمة أن خطاب الكراهية والتقسيم لا يصدر عن أجيال معزولة عن العالم، بل عن شباب في مقتبل العمر يمتلكون هواتف، ويشاهدون العالم، ويطلعون على تجارب شعوب خرجت من الحروب نحو الدولة،
لا نحو المليشيات. هؤلاء الشباب يعلمون، أو يفترض أنهم يعلمون، أن الإنسان لا يختار لونه، ولا قبيلته، ولا مكان مولده، ويعلمون أن الإسلام الذي يجمعنا جميعًا لا يعترف بهذا التصنيف، وأن التفاضل لا يكون إلا بالأخلاق والعمل. فلماذا إذًا يُختزل الوطن في جهة؟ ولماذا تُقدَّم البنادق بديلاً عن الدولة؟ الجيش السوداني، رغم ما مرّ به من تحديات، ظل على مدار تاريخه مفهومًا للدولة قبل أن يكون سلاحًا، لم يُبنَ على أساس قبلي، ولم يُؤسس على خطاب إقصائي، بل ظل مؤسّسة وطنية جامعة. الفرق الجوهري بين الجيش وأي قوة موازية لا يكمن فقط في الشرعية القانونية، بل في الفكرة، فالجيش يُقاتل ليبقى السودان دولة، أما السلاح الخارج عن الدولة فينتج واقعًا بلا مؤسسات ولا أفق. واحدة من أكبر المآسي في هذه الحرب هي الإيحاء لبعض الشباب بأن العودة إلى الدولة مستحيلة، وأن الخيارات صارت صفرية، وهذا غير صحيح. التاريخ السوداني، مثل كثير من الدول، عرف لحظات انقسام، وعرف عودات، وتسويات، وإعادة دمج، فالدولة لا تُبنى بإقصاء أبنائها، بل بعودة من يختار الوطن على السلاح.
الحرب ستنتهي يومًا ما، والسؤال الذي سيُطرح بعد ذلك ليس من حمل السلاح أطول، بل من اختار الدولة حين كان الاختيار صعبًا. التاريخ لا يكتب البيانات، بل يسجل المواقف، وسيسأل: من وقف مع وحدة السودان؟ ومن ساهم بقصد أو بغير قصد في تفكيكه؟ هذه الكلمات ليست تهديدًا، ولا إدانة جماعية، ولا شماتة، بل رسالة صريحة تقول: الوطن ما زال يتسع للجميع، لكن لا يتسع لسلاح خارج دولته. الاختيار لا يزال قائمًا، والعودة إلى صف الدولة ليست ضعفًا، بل شجاعة، شجاعة الاعتراف بأن السودان أكبر من أي خطاب وأبقى من أي مليشيا وأهم من أي مكسب مؤقت. وختامًا، سيبقى نشيد المدرسة أصدق من ضجيج الحرب: “نحن جند الله، جند الوطن”، والسؤال مفتوح أمام كل من يحمل السلاح اليوم: هل ما زالت هذه الكلمات تعني لك شيئًا؟









