مقالات

إلي والي الخرطوم و وزير التعليم.. متى استعبدتم التلاميذ؟

النورس نيوز

إلي والي الخرطوم و وزير التعليم.. متى استعبدتم التلاميذ؟

متابعات _ النورس نيوز _ رسالة مفتوحة إلى وزير التعليم ووالي الخرطوم

في شرق النيل، وخلال ساعات الدوام المدرسي، توقفتُ أمام مشهد لا ينبغي أن يراه أحد في بلدٍ يدّعي حماية حق التعليم. تلاميذ صغار، بملامح شاحبة وأجساد نحيلة، يتجولون في الشارع العام بلا وجهة، بلا دفاتر، وبلا مدرسة تحتضنهم في وقت يفترض أن يكونوا فيه داخل الفصول.

سألت اثنين منهم عن سبب وجودهم خارج المدرسة. أحدهما أخبرني، بكل بساطة جارحة، أن إدارة المدرسة طردتهم لأنهم لم يتمكنوا من سداد الرسوم الدراسية. سألته: ولماذا لم تدفعوا؟ فأجابني بسؤال أوجع القلب قبل أن يجيب العقل:

 

 

 

 

«هو نحن فطرنا عشان ندفع الرسوم؟»

أما الآخر، فقصته كانت أشد قسوة. والده اعتقلته مليشيا الدعم السريع وعذبته، فخرج جسدًا عاجزًا لا يقوى على العمل. الأم اضطرت للعمل كبائعة متجولة، بالكاد توفر ثمن الوجبة. قال لي الطفل إنه مصمم على الجلوس للامتحان، حتى دون كتب، لكنه رغم حضوره اليومي للمدرسة طُرد دون أن تُسمع قصته أو يُنظر في حاله.

ملابسه القديمة لم تكن تخصه أصلًا، استعارها من أبناء الجيران. كان المشهد وحده كافيًا ليشرح كل شيء. أشحت بوجهي ومضيت، لكن الأسئلة بقيت تطاردني.

متى استعبدتم التلاميذ يا وزير التعليم؟

متى تحوّل الأطفال إلى مصدر جباية؟

ومنذ متى صار الفقر جريمة تُعاقَب بالطرد من المدرسة؟

ما يحدث اليوم في بعض مدارس ولاية الخرطوم ليس مجرد خلل إداري، بل خطر تربوي وأخلاقي حقيقي. مدارس تطرد التلاميذ أثناء اليوم الدراسي، وتتركهم فريسة للشارع، وتستخدم سياسة ليّ الذراع مع الأسر الفقيرة: ادفعوا الرسوم أو احرموا أبناءكم من التعليم.

 

 

 

 

الأخطر أن هذه الممارسات تتم في ظل صمت، وأحيانًا مباركة غير معلنة، من مكاتب التعليم التي يفترض بها الرقابة والتدخل. حتى حين تتدخل، لا تُسمع كلمتها، وتبقى إدارات المدارس تمارس سياسات “الحلب” و”الشفط” و”الطرد” بلا رادع.

هذه المدارس، للأسف، أصبحت في بعض الحالات أخطر من الميليشيا. فالميليشيا قد تدمر البيوت، لكن المدرسة حين تطرد طفلًا، فإنها تفتح له أبواب الضياع على مصراعيها: تسرب مدرسي، فقد تربوي، انخراط في الشارع، واستهداف مباشر من العصابات وتجار المخدرات والاستغلال الإجرامي.

 

 

 

كانت المدارس في الماضي تحمي التلاميذ من الشارع، تحبسهم داخل الفصول، وتزرع فيهم القيم والانضباط. أما اليوم، فقد أصبح بعضُها جزءًا من منظومة الفاقد التربوي، تطرد الأطفال وتتركهم يتسكعون بلا حماية ولا مستقبل.

السيد والي الخرطوم، هل سمعت؟

السيد وزير التعليم الاتحادي، هل تدخّلتم؟

التعليم ليس سلعة، ولا امتيازًا للأغنياء، بل حق أصيل كفلته القوانين والمواثيق. وكل طفل يُطرد من المدرسة بسبب العجز عن دفع الرسوم هو شهادة إدانة صريحة لمنظومة فقدت بوصلتها الأخلاقية.

إن لم تتحرك الدولة اليوم، فإنها غدًا ستدفع ثمن هذا الإهمال أضعافًا: جيل ضائع، شارع غاضب، ومجتمع بلا حماية تربوية.

والسؤال الذي سيبقى معلقًا:

من يحاسب من حوّل المدارس من ملاذ للتلاميذ… إلى بوابة للطرد والضياع؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى