
الخُرطوم: النورس
دارفور: حين يتحوّل الجرح إلى سؤال الدولة
مقال رأي – تحليل سياسي إستراتيجي
الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي
ليست دارفور مجرد إقليم جغرافي على خاصرة السودان الغربية، ولا صفحة منسية في سجل الأزمات المتعاقبة، بل هي مرآة كبرى تعكس هشاشة الدولة السودانية في بنيتها العميقة: في مفهومها للسلطة، وفي علاقتها بالمجتمع، وفي قدرتها على إدارة التنوّع وتحويل الاختلاف إلى طاقة حياة، لا إلى وقود حرب. الصراع في دارفور، في جوهره، ليس حدثًا طارئًا ولا انفجارًا مفاجئًا، بل هو ثمرة تراكم تاريخي طويل من التهميش، وسوء الحكم، واختلال ميزان العدالة بين المركز والهامش.
الجذور التاريخية: تهميش مقنّع باسم الدولة
منذ فجر الاستقلال، ظلت دارفور خارج دوائر القرار والتنمية، تُستحضر في الخطاب الرسمي كأنها هامش جغرافي لا مركز إنساني، وتُدار بسياسات موسمية عاجزة عن رسم رؤية وطنية شاملة. لقد أسهم تفكيك نظم الإدارة الأهلية التقليدية، دون استبدالها بمؤسسات رشيدة، في زعزعة التوازنات الاجتماعية التي كانت، رغم هشاشتها، تضبط علاقات الأرض والموارد والسلطة المحلية. وهكذا تحوّل الإقصاء من شعور بالغبن إلى وعي بالظلم، ومن صبر اجتماعي إلى احتجاج سياسي صارم.
العوامل البنيوية: حين تتصارع الطبيعة مع السياسة
في أعماق الأزمة، يتغذّى صراع دارفور من تداخل ثلاث أزمات كبرى:
أزمة الموارد، حيث تتقلّص الأرض الخصبة بفعل الجفاف والتصحر، وتحتدم المنافسة على الحواكير والمياه والمراعي في فضاء اقتصادي فقير وعاجز عن توليد بدائل إنتاجية.
أزمة الهوية، حين تُسيّس الانتماءات الاجتماعية، وتُحمّل الاختلافات الثقافية ما لا تحتمل من دلالات سياسية وإثنية.
أزمة الدولة، حيث تغيب المؤسسات القادرة على التحكيم العادل، ويُستبدل القانون بمنطق القوة، والإدارة بالحشد، والسياسة بالتعبئة.
عسكرة المجتمع: من نزاع محلي إلى مأساة دولية
مع اندلاع التمرّد المسلح عام 2003، دخلت دارفور مرحلة قاتمة أكثر عمقًا. خرج السلاح من ثكناته إلى القرى والأسواق، وتحوّل المدني من فاعل اجتماعي إلى هدف عسكري، وتفكّك النسيج الأهلي تحت وطأة الخوف والانتقام. ومع التدخل الدولي، تحوّل النزاع من صراع محلي على الموارد والسلطة إلى قضية عالمية مرتبطة بحقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية، ومفهوم العدالة الكونية. غير أنّ تدويل الأزمة لم يُفضِ إلى حل، بل عمّق الإحساس بالعجز الوطني عن إدارة مصير البلاد.
ما بعد 2019: سلام بلا دولة
شكل سقوط نظام البشير لحظة أمل نادرة في تاريخ دارفور، إذ ارتفعت أصوات السلام والعدالة، ووقعت اتفاقية جوبا، وانخرطت بعض الحركات المسلحة في الفضاء الانتقالي. إلا أن هذه التحولات بقيت حبيسة النصوص، إذ لم تُسند بإرادة سياسية حقيقية، ولا بمؤسسات قادرة على التنفيذ، ولا باقتصاد يدعم السلام بدل الحرب. فتحوّل السلام إلى شعار، والعدالة إلى وعد مؤجل، والاستقرار إلى حلم مؤقت.
حرب 15 أبريل 2023: عودة المأساة بصيغة أشد
أعادت الحرب بين الجيش والدعم السريع دارفور إلى قلب الجحيم: نزوح جماعي بلا سقف زمني، مجازر تعيد إنتاج الذاكرة الدامية، وانهيار شبه كامل للإدارة المدنية. لم تعد دارفور طرفًا في صراع، بل صارت مسرحًا لإعادة تشكيل السلطة بالقوة العارية، حيث يُصاغ المستقبل بالرصاص لا بالعقد الاجتماعي، وتُكتب السياسة بلغة السلاح لا بمنطق المؤسسات.
دلالات التحوّل: من السياسة إلى الوجود
اليوم، لم يعد الصراع في دارفور مجرد مطالب تنموية أو حقوق سياسية، بل أصبح صراع وجود ومعنى:
وجود الدولة نفسها، ومعنى المواطنة، وجدوى العيش المشترك. تراجعت السياسة لصالح العنف، وتآكلت شرعية المؤسسات لصالح شرعية البندقية، وانهارت فكرة الدولة مقابل صعود الفاعلين المسلحين بوصفهم “سادة الواقع الجديد”.
خلاصة استراتيجية: دارفور كسؤال وطني مفتوح
دارفور ليست أزمة إقليمية فحسب، بل سؤال الدولة السودانية المؤجّل: كيف نبني سلطة بلا إقصاء؟ وهوية بلا استعلاء؟ وتنمية بلا مركز وهامش؟
وأي تحوّل سياسي حقيقي في دارفور لن يتحقّق عبر التسويات الشكلية أو تقاسم المناصب، بل عبر مشروع وطني عميق يقوم على:
دولة مدنية قوية تحتكر العنف المشروع.
عدالة انتقالية شاملة تعيد الاعتبار للضحايا لا للنخب.
إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة لا الانتماء.
تفكيك اقتصاد الحرب وتحويله إلى اقتصاد حياة.
دارفور اليوم ليست مجرد جغرافيا محترقة، بل ضمير السودان الجريح، وسؤاله الأكبر عن معنى الدولة والسلطة والإنسان. فإما أن نعيد كتابة هذا السؤال بلغة العقل والعدالة، أو نتركه يُكتب – مرة أخرى – بحبر الدم.









