أسامه عبد الماجد يكتب:
العودة الحقيقية للخرطوم
0 من الأخبار المفرحة في هذه الأيام عودة الحكومة الاتحادية من بورتسودان إلى موقعها الطبيعي في الخرطوم.. فقد جاءت العودة مصحوبة برموز الجهاز التنفيذي، يتقدمهم رئيس الوزراء وعدد من أركان حكومته، إلى جانب وزارات محورية مثل العدل، والمالية، الخارجية والثقافة والإعلام. ويستحق وزير الداخلية بابكر أبو سمرة تحية خاصة.. إذ كان من أوائل الوزراء الذين عادوا إلى الخرطوم، بل إن وزارة الداخلية سبقت الجميع بالعودة.. منذ عهد الوزير السابق الفريق خليل باشا سايرين.. في رسالة مبكرة أن الدولة لا تدار عن بعد وأن الأمن والاستقرار يبدأن بالحضور في الميدان.
0 كما أن اجتماع اليوم الذي ترأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان لمجلسي السيادة والوزراء في الخرطوم.. أعاد للعاصمة نبض الدولة وهيبتها. ولا شك أن هذه العودة تحمل رسائل مهمة للداخل والخارج.. فهي رسالة طمأنة للمواطن، وإشارة إيجابية للمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي بأن الدولة السودانية بدأت تستعيد توازنها ومركزها.. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عودة المباني والمؤسسات بل في إعادة المؤسسية إلى هذه المؤسسات.
0 لقد شهدت الخدمة المدنية في السودان تراجعا ثم تدهورا مريعا منذ عام 2019 سواء على مستوى الأداء أو الانضباط أو الكفاءة.. وبالتالي فإن عودة الحكومة تمثل فرصة حقيقية لإجراء مراجعة شاملة تبدأ بحصر العاملين، وتقييم الكفاءات، ومراجعة الشهادات والهياكل الوظيفية، وضبط المرتبات، حتى لا تتكرر ظواهر القوائم الوظيفية المثقلة بأسماء المتوفين كما كان يحدث سابقاً.. كما تتطلب المرحلة ضبط إيقاع العمل داخل الوزارات والمؤسسات عبر لوائح واضحة، وتفعيل مبدأ المحاسبة، وربط الترقية بالأداء.
0 ولا يقل أهمية عن ذلك مراجعة بيئة العمل نفسها، من خلال إعادة تنظيم المكاتب وترتيب المؤسسات، والتشدد في عمليات الدخول لها.. وتوفير الحد الأدنى من متطلبات العمل الحديثة مع التشدد في احترام الزمن، وإلزام العاملين بالتفاني في خدمة المواطن
0 وتقدم تجارب دول مثل ماليزيا درساً بالغ الأهمية.. إذ لم تبدأ نهضتها بالمشروعات العملاقة بل سبقتها ثورة هادئة في الخدمة المدنية، قوامها الانضباط، والتدريب المستمر، وربط الأداء بالأهداف الوطنية. فقد أدركت القيادة الماليزية أن الخدمة المدنية تمثل العمود الفقري لأي نهضة حقيقية، فاستثمرت فيها بوعي، فكانت النتيجة دولة فاعلة ومؤسسات محترمة.
0 ومن أبسط الخطوات الرمزية والعملية التي اتخذها الزعيم مهاتير محمد.. إلزام جميع موظفي الدولة، بمن فيهم هو شخصياً بوضع بطاقة تعريف تحمل الاسم على الصدر.. كما هو معمول لدى منسوبي القوات النظامية في السودان، حتى يتمكن المواطن من معرفة هوية الموظف الذي يتعامل معه.. ففي كثير من الأحيان يدخل المواطن مكتباً حكومياً لإنجاز معاملة.. فلا يجد الموظف المختص، ويبدأ في دوامة وصفه طويل أو قصير، قمحي أو أسمر، ويسألك زميله يضع نظارة أو لا يضعها.. وعندما يعود المواطن لاحقاً يجد أن معاملته لم تنجز.. لعدم وجود قائمة واضحة بالمطلوبات، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام الفساد.
0 إن عودة الحكومة إلى الخرطوم لا ينبغي أن تختزل في مشهد احتفالي أو خبر عابر.. بل يجب أن تكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة من داخل مؤسساتها.. وإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس مهنية حديثة فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى وزارات عائدة، بل إلى دولة تعمل بكفاءة ومسؤولية.
0 ومهما يكن من أمر.. فإن هذه العودة تظل غير مطمئنة في ظل توهان رئيس الوزراء، وضعف أداء مستشاريه.. وهو ما يستدعي مراجعة جادة قبل أن تضيع الفرصة مرة أخرى.
الأربعاء 21 يناير 2026
osaamaaa440@gmail.com











