
قالوها اللبيب والبرهان.. وبالملايين قلناها: نعم
بقلم: نزار العقيلي
النورس نيوز _ عندما تعرّضت هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة لأقسى أنواع الظلم، وحين وُصف رجالها بالتمرد، وطُعن في وطنيتهم رغم أنهم كانوا يحرسون ثغور الدولة ويسهرون على أمنها، كان المشهد قاسيًا وموجعًا. في تلك اللحظة الفاصلة، لم يكن رجال الهيئة في غرف تبديل الملابس قرب ملعب، بل كانوا مغتربين في الكويت وقطر والسعودية، أو عمّالًا وموظفين وفنيين في مختلف ولايات السودان.
ورغم ذلك، خرج الصوت عاليًا وواضحًا، حين قالها سعادة الفريق ركن محمد عباس اللبيب، في موقف صار رمزًا: علينا أن نعود ونقاتل كالرجال.
وكذلك كانت حال قوات الاحتياطي المركزي، التي طالتها يد عصابة لجنة التمكين، وتعرّضت لظلم دولي قاسٍ، فُرضت عليها العقوبات، وأُقصي قادتها تحت لافتة “الصالح العام”، ونُزعت منها أسلحتها الثقيلة. ظنّ كثيرون حينها أن المباراة قد حُسمت لصالح مليشيا آل دقلو، لكن قبل صافرة النهاية، عاد رجال الاحتياطي إلى قلعتهم في أم درمان، من كل حدب وصوب، حاملين العقيدة ذاتها: يجب أن نعود ونقاتل كالرجال.
وكيف لا، ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حين وجد نفسه محاصرًا داخل القيادة العامة، في ظل صمت دولي وإقليمي خانق، ودون سند سياسي حقيقي، لم يقل لأركان حربه “دعونا ننسحب”، بل قالها بوضوح لا لبس فيه: لن أخرج إلا على نعش… ويجب أن نقاتل كالرجال.
بعض الناس نظروا إلى ما فعله اللاعب ساديو ماني بوصفه نموذجًا للقيادة داخل الملعب وخارجه، لكن النظرة الأعمق لما فعله هذا اللاعب تتجاوز كرة القدم. إنها تجسيد لأسلوب حياة المؤمن القوي، الذي لا ينهار عند الهزيمة، ولا ينسحب عند الظلم، ولا يساوم على كرامته تحت أشد الضغوط.
مقولة ساديو ماني ليست مجرد عبارة حماسية، بل هي تلخيص مكثف لفلسفة الحياة كلها. عندما تتراكم الهزائم، ويشتد الظلم، ويغدو الانسحاب أسهل الخيارات المتاحة، بينما تصبح العودة والقتال هي الطريق الأصعب، يختار كثيرون الاستسلام. يظنون أن الانكسار قدر لا مفر منه، كما قال أحد “الناصحين” للبرهان: اعترف بالهزيمة وانسحب، فالانسحاب ما عيب.
لكن التاريخ لا يُكتب بالمنسحبين، بل بالذين عادوا وقاتلوا كالرجال. وها هو ذلك “الناصح” يسجل كل يوم انسحابًا مذلًا، بينما يصمد من اختار المواجهة.
كثير من الناس نُهبت ممتلكاتهم، وتهدمت منازلهم، وضاعت مدخراتهم في دروب النزوح واللجوء، ومع ذلك عادوا. عادوا لأنهم أدركوا أن الهروب لن يعيد لهم ما فقدوه. ومن هنا، يجب علينا جميعًا أن نُسقط مقولة ساديو ماني على كل تفاصيل حياتنا: أن نقاتل الظلم، والكسل، والوهن، والمرض، وأن ننفض غبار الحزن، ونخلع ثياب الاستسلام، ونواجه التحديات بوعي وثبات وقوة.
مقولة ساديو ماني هي عقيدة. هي ثقة في الله، وتوكل عليه، وإيمان مطلق بأن النصر بيد الله، وأن النصر صبر ساعة، وأن الله ناصرنا ولا ناصر لهم. هذه القيم نفسها كانت خلف انتصار ساديو ماني ورفاقه، وهي ذاتها التي وقفت في أحلك الظروف خلف صمود الجيش السوداني، وقواته المساندة والمشتركة، والمستنفرين. فالله سبحانه وتعالى لا يحب المؤمن الضعيف، ولا ينصر المتقاعسين.
عودوا إلى دياركم، فالمعركة لم تنتهِ بعد. العدو الحقيقي ليس ذلك الخائن أو المرتزق الذي يوجّه السلاح نحونا فحسب، بل هو تلك النفس التي تقيّدنا، وتُقنعنا بالانسحاب، وتُزيّن لنا الهزيمة باسم القدر والواقع.
عودوا… وقاتلوا كالرجال.











