مقالات

السلاح خارج المعركة… حين تتحول البنادق إلى أداة نهب

النورس نيوز

السلاح خارج المعركة… حين تتحول البنادق إلى أداة نهب

هاجر سليمان

النورس نيوز _ لم تعد خطورة السلاح في الخرطوم مرتبطة بجبهات القتال وحدها، بل بات الخطر الأكبر كامناً في انتشاره خارج ساحات المعارك، حيث تحوّلت البنادق من وسيلة قتال إلى أداة نهب وابتزاز، تهدد ما تبقى من أمن وسكينة المواطن.

ما جرى في ضاحية الحاج يوسف خلال الساعات الأخيرة يقدّم نموذجاً صارخاً لهذا الواقع المقلق. فبينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، وردت معلومات ميدانية دقيقة إلى مدير شرطة محلية شرق النيل العميد إبراهيم إدريس، أثناء جولة تفقدية ميدانية شملت الأسواق ومناطق الهشاشة. لم تكن المعلومة عابرة، بل حملت مؤشرات خطِرة عن خلية مسلحة تنشط في قلب منطقة مأهولة.

 

 

 

وبسرعة تحرّك محسوبة، جرى استدعاء قوة من المباحث بقيادة النقيب عبد الخالق محمد إبراهيم، مدعومة بقوات الاحتياطي المركزي، والشرطة العسكرية، والقوات المسلحة، إلى جانب قوة قسم الحاج يوسف. ومع أذان المغرب، تمّت مداهمة منزل بمربع (18) الردمية، لتتحول اللحظة إلى اشتباك مسلح استمر قرابة عشر دقائق، أعاد إلى الأذهان أيام الفوضى التي عاشتها المنطقة إبان سيطرة المليشيا.

 

 

 

المنزل، الذي كان في الأصل ملكاً لتاجر معروف في مجال قطع الغيار، تحوّل إلى وكر لعصابة مسلحة بعد أن غادر صاحبه وانضم سابقاً لإحدى المليشيات، في مشهد يعكس كيف خلّفت الحرب فراغات أمنية خطِرة استغلتها مجموعات إجرامية منظمة.

التحريات كشفت أن العصابة تضم خليطاً معقّداً من عناصر تنتمي لجهات نظامية ومدنيين، يتزعمهم متهم يُعرف بـ«البوص»، أقر بانتمائه لإحدى الحركات المسلحة، ويُعد من أخطر معتادي الإجرام وله سجل جنائي حافل. ورغم فرار عنصرين، إلا أن القوة المداهمة تمكنت من القبض عليه، إلى جانب شقيقتيه، ونظامي آخر، واثنين من المدنيين.

 

 

 

 

الضبطية كانت ثقيلة الدلالة: بنادق كلاشنكوف، كدمولات، دراجات نارية تُستخدم في عمليات النهب السريع، مسروقات، وحتى مخدرات. أخطر من ذلك أن التحقيقات أثبتت تورط المجموعة في عمليات نهب مسلح ليلي، نفذت تحت تهديد السلاح، وبثّت الرعب وسط المواطنين، في ظل صمت مجتمعي فرضته الخوف والرهبة.

ما يثير القلق ليس فقط وجود خلية مسلحة، بل اعتياد مثل هذه العصابات على إقامة حفلات صاخبة داخل أوكارها، كما حدث في ليلة رأس السنة، في سلوك يعكس شعوراً بالحصانة والانفلات، ويؤكد أن السلاح حين يفلت من الضوابط يتحول إلى مظلة للجريمة.

 

 

 

 

المفارقة المؤلمة أن هذه العملية النوعية، التي جرت بمتابعة مباشرة من مدير شرطة ولاية الخرطوم الفريق سراج الدين منصور خالد، كشفت في ذات الوقت عن ضعف التبليغ المجتمعي، إذ لم تُسجل بلاغات سابقة رغم خطورة النشاط الإجرامي للمجموعة. وهو ما يطرح سؤالاً ملحّاً حول دور المواطن كشريك أصيل في حفظ الأمن، لا مجرد متلقٍ للنتائج.

وفي مشهد متصل، كانت قوات الاستخبارات العسكرية قد أحبطت قبلها بيوم محاولة نهب لمخازن غرب سوق (6) بالحاج يوسف، نفذها مسلحون ينتحلون صفة نظاميين وبحوزتهم بنادق آلية، في مؤشر إضافي على توسع ظاهرة استخدام السلاح خارج الأطر القانونية.

 

 

 

الرسالة الأوضح من هذه الوقائع أن معركة الأمن اليوم لم تعد فقط ضد مليشيا، بل ضد فوضى السلاح. فانتشاره في أيدي قوات غير مشاركة في القتال، أو خارج ساعات ومهام العمل، بات يُستغل في النهب والابتزاز والإرهاب، ما يستوجب مصادرة صارمة، وضوابط مشددة، لا تقبل التساهل.

إن أمن الخرطوم لن يُصان بالعمليات وحدها، مهما كانت ناجحة، بل بتكامل يقظة الشرطة مع وعي المواطن، وتفعيل الشرطة المجتمعية، وتجفيف منابع السلاح المنفلت. فحين يعود السلاح إلى موقعه الصحيح، تعود الطمأنينة إلى الشارع، ويستعيد المواطن حقه في الحياة بلا خوف.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى