أخبار

عمر صديق يعود من البوابة الدبلوماسية.. هل تنجح التجربة الثانية في زمن التحولات الصعبة؟

متابعات _ النورس نيوز

عمر صديق يعود من البوابة الدبلوماسية.. هل تنجح التجربة الثانية في زمن التحولات الصعبة؟

الخرطوم – النورس نيوز
بقلم: محمد جمال قندول

في ظل ظرف سياسي غاية في التعقيد، وصراع مفتوح على كل الجبهات، اختار صانع القرار السوداني إعادة السفير عمر محمد أحمد صديق إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة بمنصب وزير دولة بوزارة الخارجية، في توقيت يكشف عمق الحاجة لإعادة ترتيب واجهة البلاد الدبلوماسية، التي باتت تعاني من ترهلٍ إداري وفقدانٍ شبه كامل للاتجاه.

السفير عمر صديق ليس غريبًا على دهاليز الوزارة، بل هو من بين الأسماء القليلة التي تدرجت في المواقع المتقدمة داخل الحقل الدبلوماسي، وامتلكت في رصيدها تجارب مهمة على مستوى التمثيل الخارجي، أبرزها عمله سفيرًا لدى بكين، إحدى أهم العواصم المؤثرة في المشهد الجيوسياسي الدولي، إلى جانب مناصب سيادية سابقة من بينها إدارته للإدارة السياسية في القصر الجمهوري.

لكن العودة هذه المرة تأتي في توقيتٍ مختلف كليًا، تسيطر فيه الميليشيا على مساحات واسعة من السودان، بينما تخوض الدولة معركة إثبات الذات في الخارج، وسط ضبابية خطاب، وانقسام داخلي، وتراجع مؤثر في الأداء المؤسسي لوزارة الخارجية، التي ظلت لعدة أشهر تعمل دون وزير فعلي ودون رؤية متماسكة.

مهام شائكة وملفات مُعقدة

لا شك أن الرجل سيجد نفسه في مواجهة ملفات بالغة التعقيد، على رأسها استعادة ثقة المجتمع الدولي في خطاب الدولة السودانية الرسمي، والعمل على دحض الروايات التي تبثها الميليشيات الانقلابية على المنابر الدولية، وهي روايات لطالما استفادت من الغياب الرسمي، ونجحت في استقطاب مواقف دولية متعاطفة، أو في الحد الأدنى، مترددة.

كما يواجه عمر صديق مهمة جسيمة في إعادة بناء علاقات السودان الخارجية على أساس الندية والتوازن، وإحياء الشبكات الدبلوماسية التي ضعفت بفعل الحرب والانقسام السياسي، إلى جانب صياغة خطاب دبلوماسي جديد يعكس المرحلة ويستوعب المتغيرات الدولية المتسارعة.

الموقع الشكلي.. والإشكال التنفيذي

ورغم أن تعيينه جاء بصيغة “وزير دولة”، إلا أن المتابعين يطرحون تساؤلات حقيقية حول ما إذا كان سيتم منحه فعليًا الصلاحيات اللازمة لتحريك ملفات السياسة الخارجية، أم سيبقى محكومًا بإطار تمثيلي رمزي لا يتيح له صناعة فارق. فالموقع الدستوري لوزير الدولة بطبيعته لا يتيح قيادة الوزارة بشكل مباشر، بل يتطلب توافقاً سياسياً وتمكيناً فعلياً للقيام بأي تغيير.

وفي هذا السياق، يرى الخبير السياسي والاستراتيجي د. عمار العركي، أن المشكلة لا تكمن في كفاءة السفير عمر صديق، بل في الإطار العام الذي تم زجه فيه، حيث تعاني وزارة الخارجية من فراغ في القيادة، وتآكل في الخبرات، وارتباك في الخطاب، فضلاً عن غياب المرجعية السياسية التي توجّه مسار العلاقات الدولية للدولة.

الدبلوماسية وسط العاصفة

ليس من السهل إعادة ضبط بوصلة الخارجية في ظل هذه الظروف. فالمشهد الدولي نفسه بات منقسمًا في تعاطيه مع الأزمة السودانية، وتتباين فيه المواقف بين قوى إقليمية متورطة في دعم الميليشيات، وأخرى تلتزم الصمت، وثالثة تعجز عن الفعل. هنا تكمن أهمية امتلاك أدوات التأثير الحقيقي، التي تبدأ بوضوح الرؤية، وتنتهي بتمكين القيادات القادرة على تنفيذها.

عمر صديق يجد نفسه اليوم مطالبًا بتفعيل الحضور السوداني في المحافل الدولية، وتكثيف التواصل مع الدول ذات الثقل السياسي والاقتصادي، وفتح قنوات جديدة مع الشركاء الدوليين، في وقتٍ تواجه فيه الخرطوم حملة عزل غير معلنة، وتحديات دبلوماسية غير مسبوقة.

اختبار الإرادة.. أم إعادة تدوير؟

يتساءل مراقبون: هل تعيين صديق محاولة جادة لاستعادة الدور الغائب للدبلوماسية السودانية؟ أم أنه مجرد خطوة رمزية لا تعكس إرادة حقيقية للإصلاح؟، خصوصًا أن الوزير الأسبق د. علي يوسف لم يُمنح الوقت أو الأدوات اللازمة، وغادر دون أن يترك أثرًا ملموسًا، في ظل بيئة سياسية غارقة في الصراعات.

ويضيف د. العركي بأن نجاح صديق مرهون بإرادة سياسية تدعمه، لا بالاكتفاء بتعيينه في منصب يفتقد إلى الصلاحيات التنفيذية الكاملة، كما أن إعادة ترتيب الوزارة يجب أن تكون جزءًا من عملية إصلاح أوسع، تشمل مراجعة شاملة لأداء البعثات، وتدريب الكوادر، وتحديث الهياكل، ووضع استراتيجية متكاملة تواكب المرحلة.

الطريق إلى التمكين

ما يحتاجه عمر صديق ليس فقط مكتبه في الخارجية، بل غطاء سياسي واضح، وتنسيق فعلي مع رئيس الوزراء د. كامل إدريس، الذي من المرجّح أن يحتفظ بموقعه كوزير للخارجية إلى حين، ما يعني أن العلاقة بين الطرفين ستكون حاسمة في تحديد فاعلية هذا التعيين.

وفي حال أُعطي صديق ما يحتاجه من أدوات، فقد يكون قادرًا على لعب دور محوري في تصحيح مسار الخارجية، واستعادة الحد الأدنى من التماسك المطلوب، لكن إن بقي التعيين في حدود الشكل والمراسم، فإن الرجل لن يكون أكثر من شاهد على المرحلة، وسيمضي كما مضى غيره، وستبقى الوزارة رهينة العجز والتهميش.

ختامًا

تعيين السفير عمر صديق لا يخلو من دلالة سياسية واضحة: الدولة تدرك أهمية إصلاح الخارجية لكنها لم تحسم بعد طريقة الإصلاح. وبين كفاءة الرجل وتعقيدات المرحلة، تبقى الكرة في ملعب من يملك قرار التمكين، فإما أن يُمنح عمر فرصة حقيقية لإحداث فرق، أو يُضاف اسمه إلى سجل طويل من المسؤولين الذين لم يُمنحوا سوى الألقاب.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى