جهاز المخابرات بكسلا يكشف أسرار إحباط التمرد
متابعات _ النورس نيوز _ في الوقت الذي اجتاحت فيه رياح الحرب العديد من ولايات السودان، ظلت ولاية كسلا صامدة، لم تطأها يد التمرد، ولم يُسجَّل فيها خرق أمني مؤثر، رغم قربها من الحدود الملتهبة وتعدد التهديدات العابرة للحدود. هذا الثبات لم يكن مصادفة، بل نتيجة عمل استخباراتي منظم، واستراتيجية أمنية سبقت الأحداث بخطوات، وفق ما كشفه مسؤولون رفيعو المستوى في جهاز المخابرات العامة خلال زيارة ميدانية أجراها فريق “النورس نيوز” إلى الولاية، في توقيت حرج تحبس فيه البلاد أنفاسها على وقع صراع طويل الأمد.
منذ الهبوط في مطار كسلا، تتبدى ملامح مختلفة. ليست المدينة في حال من الطوارئ المعلنة، لكنها في حالة تأهب دائم لا تخطئها العين، حيث تناغم الانضباط الأمني مع مرونة الحياة اليومية، وبرز التنسيق المحكم بين مختلف الأجهزة النظامية في تفاصيل صغيرة قبل الكبيرة. وما إن دخلنا مباني جهاز المخابرات العامة، حتى بدت الأجواء مختلفة تمامًا، فالحوار هنا لا يدور بلغة الخوف أو السرية المطلقة، بل بلغة ثقة واضحة، مدعومة بما يشبه اليقين بأن “كسلا لم تنجُ من الحرب بالصدفة”.
وفي جلسة نادرة جمعت “النورس نيوز” بقيادة الجهاز في الولاية، أكد المسؤولون أن الدور الأمني لم يعد مقتصرًا على جمع المعلومات أو رصد النشاطات المعادية، بل اتخذ أبعادًا مجتمعية وإنسانية شاملة، في ظل مرحلة اعتُبرت الأصعب منذ عقود. فالولاية، التي استقبلت آلاف النازحين من مناطق الحرب، باتت تمثل نقطة ضغط هائلة على الأجهزة الأمنية، ومع ذلك، لم تُسجل فيها حالات اختراقات مقلقة، ويرجع ذلك إلى ما وصفه الضباط بـ”الجاهزية الاستخباراتية الاستباقية”، إضافة إلى “تجربة الخلية الأمنية الموحدة” التي طُبقت لأول مرة في كسلا ثم نُقلت إلى ولايات أخرى بعد نجاحها الباهر.
وأكدت قيادات الجهاز أن ولاية كسلا أصبحت نموذجًا في الأداء الأمني المتكامل، رغم تعدد المعسكرات الأجنبية فيها، وعلى رأسها معسكرات الشجراب والشُقر والشريفين وود شريفي. وقال أحد الضباط البارزين إن جهاز المخابرات يتعامل مع ملف اللاجئين بحساسية بالغة، حيث لا يُسمح بتحول المعسكرات إلى بيئة خصبة للتجنيد أو الاختراق. وأي محاولة لتوظيف اللاجئين في أنشطة تمس أمن السودان تُكتشف سريعًا وتُواجه بحسم لا يعرف التهاون.
ولم يقتصر الحديث على الملفات التقليدية، بل تطرق إلى جوانب طالما ظلت بعيدة عن الأضواء، مثل مشاركة الجهاز في العمل الثقافي، ومساندة المبادرات المجتمعية. ففي سابقة غير معتادة، دعم الجهاز فعاليات فنية تناولت دور الأغنية الوطنية في رفع الروح المعنوية للقوات النظامية، وكرّم عددًا من الشعراء والمطربين الذين أنشدوا للوطن في أحلك لحظاته. كما قدم الجهاز دعماً ماديًا ومعنويًا لأندية رياضية واتحادات محلية، في بادرة تهدف إلى إعادة الحياة للمدينة بعد أن كادت تنهكها تداعيات النزوح.
لكن الوجه الآخر للجهاز ظهر في المعركة، حيث أشار مسؤولون إلى أن جهاز المخابرات العامة لم يظل بعيدًا عن الميدان. فمع اندلاع التمرد وتقدمه نحو الجزيرة، تم الدفع بوحدات خاصة من كسلا شاركت في عمليات عسكرية ضمن معركة الكرامة، وقدمت شهداء وجرحى، ولا تزال بعض هذه الوحدات تمارس مهامها حتى الآن في المحاور الشرقية والمناطق الحدودية. ويؤكد ضباط الجهاز أن هذه المشاركة لم تكن طارئة، بل نابعة من إيمان كامل بأن المعركة تتجاوز البندقية، لتشمل كل أدوات الدولة، وفي مقدمتها الرصد والتقدير والتحليل.
وفي تقييمه للوضع الأمني الراهن، شدد مدير جهاز المخابرات بكسلا على أن الولاية ما زالت بعيدة عن التهديدات الكبرى، لكن الحذر قائم، والتقديرات لا تتوقف. وأشار إلى أن بعض الخلايا النائمة تم رصدها وتفكيكها، بينما خضع آخرون لمحاكمات صارمة، وصل بعضها إلى الإعدام، في رسالة حازمة مفادها أن الأمن ليس ترفًا، بل هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه.
وفي نهاية اللقاء، توجهت قيادة الجهاز برسالة صريحة إلى مواطني كسلا، دعتهم فيها إلى عدم الانسياق خلف الشائعات، والاعتماد على الوعي كدرع أول ضد الفوضى. وقال أحد المسؤولين: “المواطن هو جهاز الأمن الأول. نحن لا نستطيع أن نكون في كل بيت، لكن الوعي قادر على أن يكون حارسًا لكل شارع”. وأضاف أن الجهاز لن يتوقف عن أداء دوره الأمني والمجتمعي والإنساني، وأنه باقٍ على العهد، يدًا تبني، وعينًا لا تنام.











