لماذا انهارت الصحافة السودانية؟
🖋️ قلم وحبر
حيدر عبدالرحيم
النورس نيوز _ كانت الصحافة السودانية في زمنٍ ليس ببعيد تمثل أحد أهم أعمدة الوعي الوطني، ومنصة مفتوحة لتداول الرأي والرأي الآخر، وفضاءً رحباً لصناعة الرأي العام ومراقبة السلطة، حيث تميزت أجيال متعاقبة من الصحفيين السودانيين بقدرة عالية على التحليل والكتابة المهنية، وأسست مدارس صحفية تركت بصمة واضحة في تاريخ الإعلام بالبلاد.
لكن هذا المشهد الذي كان يعج بالحيوية والتنوع بدأ يتراجع تدريجياً، حتى وصل إلى حالة من الانكماش والتآكل، حيث أغلقت صحف أبوابها، وتقلص تأثير أخرى، وغادر عدد كبير من الصحفيين المهنة إما بسبب الضغوط الاقتصادية أو السياسية أو البحث عن فرص بديلة، مما فتح الباب أمام سؤال كبير: لماذا انهارت الصحافة السودانية؟
تتعدد الأسباب التي قادت إلى هذا التراجع، ويأتي في مقدمتها العامل الاقتصادي الذي شكل ضغطاً هائلاً على المؤسسات الصحفية، مع الارتفاع الكبير في تكاليف الطباعة والنشر والتوزيع، في مقابل تراجع حاد في سوق الإعلانات الذي كان يمثل الشريان الأساسي لتمويل الصحف واستمرارها. هذا الخلل المالي جعل العديد من المؤسسات عاجزة عن الاستمرار أو التطوير.
كما لعب التحول الرقمي السريع دوراً محورياً في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي، حيث انتقل الجمهور بشكل واسع نحو المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما عجزت غالبية الصحف التقليدية عن مواكبة هذا التحول أو الاستثمار فيه بالشكل المطلوب، سواء من حيث البنية التقنية أو المحتوى أو أساليب التوزيع الحديثة.
ولا يمكن فصل هذا الانهيار عن السياق السياسي المضطرب الذي مر به السودان خلال السنوات الماضية، إذ تعرضت الصحافة لضغوط متكررة، شملت الإيقاف والمصادرة أحياناً، إلى جانب التضييق على العمل الإعلامي، وهو ما أضعف البيئة المؤسسية وأفقد الصحافة استقرارها المهني.
ومن العوامل المؤثرة أيضاً ضعف التأهيل المهني في بعض المؤسسات، وغياب برامج التدريب المستمر، إضافة إلى هجرة الكفاءات الصحفية إلى الخارج أو انتقالها إلى مجالات أخرى أكثر استقراراً مادياً، مما خلق فجوة واضحة في الخبرات داخل غرف الأخبار.
ومع اندلاع الحرب الحالية، تعمق الانهيار بشكل أكبر، حيث تضررت مؤسسات إعلامية بشكل مباشر، وتوقفت صحف عن العمل، وأصبح الصحفي يعمل في بيئة محفوفة بالمخاطر، يصعب فيها الوصول إلى المعلومات أو تغطية الأحداث بحرية وأمان، ما انعكس على جودة المحتوى الإعلامي واستمراريته.
إن إعادة بناء الصحافة السودانية لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو مؤقتة، بل تتطلب رؤية شاملة تبدأ بتهيئة بيئة سياسية تضمن حرية التعبير، ودعم اقتصادي حقيقي للمؤسسات الإعلامية، إلى جانب الاستثمار في التدريب والتحول الرقمي، حتى تستعيد الصحافة دورها الطبيعي كسلطة رابعة وركيزة أساسية في بناء الوعي المجتمعي.
فالصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي ضمير الأمة وذاكرتها الحية، وإذا انهار هذا الضمير، اختل ميزان الحقيقة في المجتمع بأكمله.










