ما الذي يهدف إليه الرئيس ترامب؟ قفل مضيق هرمز؟ أم فتحه؟
بقلم: محمد الحسن محمد نور
صراع النفط والهيمنة يشتعل في الخليج
مع استمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، تتكشف الأبعاد الحقيقية للصراع. فبينما يصدر الرئيس ترامب الإنذار الصارخ مطالباً بفتح مضيق هرمز خلال ثمان وأربعين ساعة ومهدداً بالاستيلاء على جزيرة خرج أو تدميرها بالكامل، فإن المعطيات تشير إلى أمر آخر أكثر خطورة. التهديد الحالي يضرب عصفورين بحجر: فهو يعبئ إيران للدفاع ويرسم أمام عيون الحرس الثوري فرصة ثمينة لإحراز النصر في حرب برية، ويخلق ذريعة للرئيس ترامب لتدمير جزيرة خرج. فماذا يستفيد؟
السيناريو الأقرب إلى التطورات الميدانية هو تحويل مضيق هرمز إلى ساحة اشتباك مما يؤدي إلى إغلاقه على يد إيران. فمع تصاعد العمليات العسكرية، توعد الحرس الثوري الإيراني بـ”إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل” واستهداف البنية التحتية للطاقة في الدول الداعمة لأمريكا. في المقابل، يواصل الرئيس ترامب التهديد بضرب المنشآت الإيرانية، في الوقت الذي تعلن فيه واشنطن أن هدفها هو فتح المضيق وضمان حرية الملاحة. هذا المشهد يعني باختصار تعطيل الإنتاج بصورة كاملة وإغراق الشرق الأوسط في أتون فوضى عارمة.
ما الذي يعنيه ذلك؟
وفقاً لقراءة العديد من المحللين، فإن الحرب على إيران هي في جوهرها “حرب ظل” على الاقتصاد الصيني. فقبل الحرب، كانت الصين تشتري النفط الإيراني بخصم يتراوح بين 8 إلى 10 دولارات للبرميل مقارنة بالسعر العالمي، كما كانت تحصل على النفط الروسي والفنزويلي بأسعار مخفضة بسبب العقوبات.
هذه الحرب تحقق هدفين متلازمين:
- حرمان الصين من إمدادات النفط وتعطيل تنميتها، فإطالة أمد الأزمة وتحويل المضيق إلى نقطة اشتعال سيرفع أسعار النفط عالمياً ويحدث فوضى في الإمدادات، مما يصب في مصلحة شركات النفط الصخري الأمريكية، الداعم الأساسي لإدارة ترامب، في وقت تزداد فيه حاجة هذه الشركات لأسعار مرتفعة تعوض تكاليف إنتاجها المرتفعة.
- احتكار أمريكا لسوق الطاقة وجني أرباح هائلة بمضاعفة الأسعار لصالح الخزينة الأمريكية.
الاستراتيجية الأمريكية تبدو واضحة: رفع تكلفة إمدادات الطاقة لبكين من خلال تعطيل التدفقات من الخليج، المصدر الرئيسي للنفط الصيني، وفي المقابل رفع العقوبات مؤقتاً على النفط الروسي مما يقلل الخصم الذي كانت تحصل عليه الصين من روسيا. من زاوية أخرى، تبدو واشنطن وكأنها تغض الطرف مؤقتاً، بل وترفع بعض أو ربما جل العقوبات عن روسيا!
روسيا: المستفيد الأكبر من الحرب
من منظور الأرقام، تظهر روسيا كلاعب رابح في هذه المعادلة المعقدة. فقد قلب إغلاق هرمز المعادلات رأساً على عقب، مما اضطر الولايات المتحدة وأوروبا إلى إصدار إعفاءات تسمح بتداول النفط الروسي لتجنب انهيار الأسواق. وارتفع سعر خام الأورال الروسي من خصم كبير إلى مستويات قياسية، مما يعني إيرادات إضافية بمليارات الدولارات لموسكو.
وتشير التقديرات إلى أن روسيا تجني ما بين 3.3 إلى 4.9 مليار دولار إيرادات إضافية من ضرائب النفط في مارس 2026 وحده، مع إيرادات يومية إضافية تصل إلى 150 مليون دولار. إنه سيناريو يحقق ما عجزت عنه موسكو طوال سنوات الحرب في أوكرانيا: رفع العقوبات فعلياً وزيادة الإيرادات بشكل غير مسبوق.
صراع الأرقام: من يدفع الثمن؟
في غضون ذلك، تتصاعد الأصوات في الولايات المتحدة منتقدة التكلفة الباهظة للحرب “في ظل ضبابية الرؤية”. ففي الوقت الذي تنفق فيه الحكومة أكثر من مليار دولار يومياً على العمليات العسكرية، يشير السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال إلى أن هناك 15 مليون أمريكي فقدوا تغطيتهم الصحية. كما أن أسعار النفط المرتفعة تضرب جيب المواطن الأمريكي من الداخل، حيث تقدر تقديرات “جيه بي مورغان” أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 42% قد يرفع معدل التضخم إلى 3% أو أكثر في الأشهر المقبلة.
وفي سياق مواز، ومع دخول العمليات العسكرية أسبوعها الثالث، بدأت الأرقام المذهلة للتكاليف تظهر على السطح. فبحسب تقديرات معهد “ستراتيجيك آند إنترناشونال ستاديز” (CSIS)، بلغت تكلفة أول 100 ساعة من العملية العسكرية الأمريكية نحو 3.7 مليار دولار، بمعدل يومي وصل إلى 891.4 مليون دولار. لكن الأرقام تتضارب بحسب المصادر، حيث تحدثت مصادر أخرى عن تكلفة يومية تصل إلى مليار دولار، بينما نقلت شبكة “إم إس إن أو” عن مصادر في الكونغرس أن الحرب تكلف الولايات المتحدة 10 مليارات دولار يومياً. الأكثر إثارة للدهشة كان ما نقلته صحيفة “بوليتيكو” عن مخاوف جمهورية من أن تنفق وزارة الدفاع ما يقرب من 20 مليار دولار يومياً.
إلى أين تتجه الأمور؟
مع تصاعد التكاليف وارتفاع الأصوات الناقدة، يبدو أن إدارة ترامب تواجه معضلة حقيقية: فمن ناحية، تريد تحقيق أهدافها الاستراتيجية في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية وقطع النفط الرخيص عن الصين. ومن ناحية أخرى، تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 60% من الأمريكيين لا يؤيدون الحرب مع إيران.
لماذا لم تقاوم الصين؟
الإجابة تكمن في “الصبر الاستراتيجي” الذي تمارسه بكين. فبدلاً من المواجهة المباشرة، ومع استمرار الحرب واستنزاف الموارد الأمريكية، تنتظر بكين في الظل، وهي تتكئ على وسادة ضخمة من المخزون الاستراتيجي النفطي الذي بنته من خلال مشترياتها السابقة من النفط الرخيص، وما تزال تعمل على الاستزادة وإضافة المزيد إلى مخزوناتها الاستراتيجية، مستفيدة من الإعفاءات المؤقتة لاستيراد النفط الإيراني والروسي العالق في البحر، وتنتظر لتحصد النتائج. إلا أن مخزونها الاستراتيجي الاستثنائي هذا قد لا يكون كافياً في ظل حرب كهذه.
ليس الصبر وحده، فللصين الورقة الأكثر قوة: ففي حال شعرت أن استمرار الحرب يهددها، فإن ورقة المعادن الأرضية النادرة جاهزة للإشهار، حيث تسيطر الصين على أكثر من 60% من إنتاج العالم من هذه المعادن الحيوية للصناعات الدفاعية والتكنولوجية الأمريكية. وهذه قد تقلب المعادلة رأساً على عقب.
وبينما تبدو واشنطن وقد تورطت بالفعل في مستنقع الشرق الأوسط، تجني موسكو الأرباح النقدية السريعة، وتنتظر بكين في الظل لتحصد النتائج. نجاح هذه الاستراتيجيات أو فشلها سيتوقف على قدرة أمريكا على إنهاء الحرب بسرعة، أو أن تنقلب المعادلة ضدها بالكامل ليحدد مسار العالم.
23 مارس 2026











