الخرطوم ـ النورس نيوز
بينما كانت وجدان عبد الله ترسم في مخيلتها تفاصيل حياتها الجديدة في مختبرات جامعة “كوين ماري” العريقة، جاء البريد الإلكتروني الأخير كقذيفة باردة لم تخطئ هدفها. لم يكن إشعاراً بموعد الدراسة، بل إعلاناً بتبخر الحلم؛ فالتأشيرة البريطانية التي كانت “طوق نجاة” من أتون الحرب، أصبحت الآن بعيدة المنال كسراب.
وجدان، خريجة جامعة الخرطوم النازحة اليوم في إحدى قرى ولاية نهر النيل، تمثل وجهاً لمأساة مئات الطلاب السودانيين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لتقاطعات السياسة الدولية وقوانين الهجرة الصارمة. وفي تقرير لمراسل “الجزيرة نت” محمد ميرغني، تبرز قصة هؤلاء الذين طحنوا الصخر لجمع تكاليف الاختبارات وسط دوي المدافع، ليواجهوا اليوم قراراً بريطانياً بتعليق منح التأشيرات الدراسية، مبرراً بـ “هواجس اللجوء”.
أرقام سيادية وأحلام محطمة
تقول وزارة الداخلية البريطانية إن طلبات اللجوء من حاملي التأشيرات الدراسية قفزت بنسبة تجاوزت 470%، مما دفعها لإدراج السودان ضمن قائمة “محظورة” ضمت أفغانستان وميانمار والكاميرون. لكن بالنسبة لأبي بكر عبد المنعم، الذي نقلت “الجزيرة نت” تفاصيل تجربته، فإن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة طموحهم الأكاديمي.
يقول أبو بكر بنبرة يملؤها الإحباط: “الدراسة في الخارج لم تكن ترفاً، بل المسار الوحيد لمواصلة تعليمنا الذي دمرته الحرب”. ويرى مراقبون أن هذا التوجه يمثل تضييقاً إضافياً على الخيارات الأكاديمية للسودانيين. وبحسب المختصة في التعليم الدولي، داليا يوسف، فإن نسبة طالبي اللجوء السودانيين من حملة التأشيرات الدراسية لا تتجاوز 10%، مما يجعل القرار يبدو “قاسياً” وغير متناسب مع الواقع الإنساني.

التعليم كفعل مقاومة
في السودان، حيث تحولت الجامعات والمراكز الطبية إلى أطلال بفعل النزاع الممتد منذ أبريل 2023، لم يعد التعليم مجرد تحصيل أكاديمي، بل أضحى “فعلاً للمقاومة”. وبينما تدعو الجالية السودانية في بريطانيا للضغط من أجل استثناء الحالات الأكاديمية، يبقى الطلاب في الداخل يراقبون شاشات هواتفهم بانتظار “معجزة” دبلوماسية.
بالنسبة لوجدان، لم يكن الماجستير في “الخلايا الجذعية” مجرد شهادة، بل وعداً قطعته لأهل قريتها بإعادة بناء النظام الصحي المنهار. اليوم، ومع انغلاق الأفق، يظل مستقبل هؤلاء الشباب معلقاً في “منطقة رمادية” بين ركام الحرب في الخرطوم، وأبواب القنصليات الموصدة في لندن.











