منوعات ـ النورس نيوز ـ في الرابع والعشرين من فبراير عام 1962، لم يكن البرد القارس في بريطانيا هو ما يرتجف له الطفلان الصغيران، بل كانت برودة “المطرقة” التي هوت بها محكمة الاستئناف لتقسم قلباً واحداً إلى نصفين.
فريد (6 سنوات) وجينيفر (5 سنوات)، يلعبان اليوم بدمية مشتركة وضحكات متداخلة، لا يدركان أن عقارب الساعة تزحف نحو لحظة “البتر” الجغرافي والعاطفي التي قررها القضاء.
لقد أسدلت المحكمة الستار على نزاع مرير بين أب سوداني، رجل أعمال يمتلك طموحاً يمتد بامتداد النيل، وأم إنجليزية، معلمة تحاول التشبث بصغارها في منزل متواضع. وبموجب هذا الحكم، سيُقتلع فريد من تربة إنجلترا ليطير نحو الخرطوم، حيث الرفاهية والمستقبل المهني الموعود في وكالة والده،
بينما تبقى جينيفر خلف قضبان الذكريات مع والدتها في لندن.
خلف الأبواب المغلقة، كان القضاة يزنون “المصالح بعيدة المدى” بموازين باردة؛ فالأب دافع عن “هوية” صغاره خشية أن يكونوا “طفلين مسلمين ملونين فقيرين في مجتمع مسيحي”، واللورد إيفرشِد، رئيس السجلات، لم يجد بداً من وصف القضية بأنها “الأكثر حزناً وبغضاً” في تاريخه المهني.
بينما كانت الأم تنهار بكاءً في أروقة المحكمة، كان المحامون يرسمون خارطة طريق لشتات عائلي: فريد إلى القصور المكيفة والخدم في السودان، وجينيفر إلى كفاح المعيشة في إنجلترا. هي قصة ليست عن الطلاق فحسب، بل عن صدام الحضارات، وتنازع الهويات، وقسوة القانون حين يحاول ترتيب الفوضى الإنسانية بمسطرة من حديد.
اليوم يلعبان للمرة الأخيرة، وغداً سيفصل بينهما بحر وصحراء وفقدٌ لا تبرئه الأحكام.
المصدر: منصة تاريخ السودان (بتصرف عن صحيفة دايلي هيرالد البريطانية)










