سمية سيد تكتب: البرلمان.. ضرورة أم ديكور؟
كثر الحديث الأيام الماضية حول ضرورة ولا ضرورة تكوين برلمان في ظل استمرار الحرب في بعض مناطق كردفان وكل دارفور.
انطلقت الآراء والكتابات بين مؤيد ومعارض للفكرة وكل له دوافعه ومبرراته التي ينطلق منها بسبب الظروف المعقدة، وإذا ما كان بالإمكان وجود برلمان حر ومستقل عن الجهاز التنفيذي وكذلك عن السلطة العسكرية الحاكمة. أو أنه مجرد ديكور لتجميل وجه السلطة الحاكمة داخليا وخارجيا.
الذي يتفق عليه الجميع هو أن بلادنا في ظروف استثنائية بالغة التعقيد.. والذي يتفق عليه الجميع أيضا هو وجود فراغ دستوري ورقابي كبير.. والذي يتفق عليه الجميع (موافق أو معترض على تكوين البرلمان) هو عدم وجود صوت شعبي يراقب الأداء التنفيذي ويوجه بوصلة القرار السياسي للدولة نحو السلام والاستقرار.
وهذا ما يجعل فكرة تكوين “برلمان انتقالي غير منتخب” في ظل ظروف الحرب في السودان مقترحاً معقداً وحساساً لجهة صعوبة التمثيل وكيفية الاختيار وأيضاً لجهة الاستقلالية وضمان عدم ارتباطه بأجهزة الحكم مدنية أو عسكرية.
كل ما ننظر للواقع المرير مما يدور بعيدا عن المعركة العسكرية التي تجتهد في مواصلة هزيمة الجنجويد في كافة المحاور نرى أهمية وجود برلمان حقيقي وليس ديكورا.. برلمان قوي يكون رقيبا بفاعلية على أداء الجهاز التنفيذي الضعيف الذي مكن للفساد وأصبح ينخر في عظم الاقتصاد السوداني وفي قوت المواطن الذي أنهكته الحرب وأنهكته المعيشة في ظل تمدد أغنياء الحرب بلا رقيب ولا حسيب ولا مساءلة.
تكوين البرلمان يمثل مخرجاً قانونياً وسياسياً لسد الفراغ التشريعي والرقابي. في ظل استحالة قيام انتخابات حالياً. وهو ضرورة لشرعنة القرارات وإدارة الفترة الانتقالية.
صحيح أن البرلمان بهذه الكيفية لن يكون تمثيلاً ديمقراطياً كاملاً، بل تمثيل توافقي ذو أهداف محددة خلال الفترة الانتقالية يعنى بالرقابة على الأداء الحكومي خلال الحرب. وإقرار الميزانيات الطارئة والتشريعات الضرورية. والتمهيد لعملية السلام والتحضير للانتخابات ما بعد الحرب.
قد تواجه الجهة التي تعمل في ترتيبات تكوين البرلمان المقترح المعايير الخاصة باختيار العضوية. حتى في حال اعتماد نظام الكتل لأنه من الصعوبة في الظرف الحالي ضمان إحداث التوازن المطلوب. وصعوبة اختيار القوى السياسية والمجتمعية بسبب صعوبة معرفة ثقلها الجماهيري أو دورها أثناء الحرب. وصعوبة حتى في كيفية اختيار وتمثيل الإدارات الأهلية والمرأة والشباب. وصعوبة في اختيار التمثيل القبلي والجغرافي خاصة في المناطق التي لازالت متأثرة بالحرب. وصعوبة أيضا في فرز واختيار تمثيل منظمات المجتمع المدني التي تمددت وتناسلت بعد الحرب بل أصبح بعضها مراكز قوة لارتباطه بمراكز قوة داخل الدولة.
تحدثت مع أحد اصحاب الرأي حول تلك المحاذير.. فأشار لي بأهمية قيام برلمان انتقالي مستقل خلال الفترة الانتقالية، وكان رأيه في تجنب تلك التحديات بعقد المؤتمر التأسيسي يضم ممثلين عن الولايات والقطاعات لاختيار الأعضاء، وأن يتم ذلك عبر لجنة اختيار مستقلة من حكماء والقضاة المتقاعدين لاستلام الترشيحات من الكتل المختلفة وتصفيتها وفق معايير النزاهة. ووفق التوافق الوطني. وأن يراعى في التكوين التمثيل الجغرافي العادل لكل الولايات مع تخصيص مقاعد للاجئين والنازحين. ونسبة محددة للمرأة وللشباب.
وذكر لي أن البلاد بوضعها الراهن في أشد الحوجة لنواب للشعب يتمتعون بالنزاهة الكافية حتى يستطيعون القيام بالمهام السيادية والتشريعية، خاصة في مسائل الرقابة المالية، ومراجعة ميزانية الحرب وسن القوانين والتشريعات الطارئة في ظل الحرب مثل قوانين حماية المدنيين وجرائم المعلوماتية. ووضع الأطر القانونية لعملية إعادة الإعمار. ولضبط الأداء العام وإيقاف الفساد والفوضى التي ضربت بأطنابها في أرجاء البلاد.
إذا لم يمتلك البرلمان حق الرقابة الفعلية على المال العام، وحق قرارات الحرب والسلام بما فيه وضع خارطة طريق للمفاوضات السياسية.. كيف ومع من.. فلا شك أنه سيكون جسماً صورياً بلا قيمة.











