مقالات

برلمان فوق الـ.ـدم

النورس نيوز

برلمان فوق الدم

بقلم: رشان أوشي

النورس نيوز _ أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة، وهي تخوض معركة البقاء، أن تسمح للنخبة التي أخفقت في حماية الوطن سياسياً، بأن تعود اليوم لتحتل نصف مقاعد البرلمان، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن الفشل لا يحمل ثمناً، ولا الدم يستوجب مراجعة.

المقترح المتداول لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، والذي حصلت عليه من مصادر صحفية موثوقة، لا يعكس واقع الحرب بقدر ما يعكس إصراراً واضحاً على إعادة إنتاج ذات النخبة السياسية التي أخفقت في إدارة الانتقال، وعجزت عن حماية الدولة من الانهيار. هو مقترح يبدو وكأنه كُتب بعقل ما قبل الحرب، لا بعين ترى الخراب، ولا بأذن تسمع أنين البلاد.

 

 

 

 

السؤال الجوهري الذي لا يملك أحد الإجابة عليه حتى الآن:

ماذا قدمت هذه الأحزاب للشعب حتى تستحق نصف سلطته التشريعية في أخطر مرحلة من تاريخ السودان؟

هذه النخبة لم تُخفق فقط في إدارة الانتقال، بل فشلت فشلاً ذريعاً في معركة حماية الدولة من الاختراق الخارجي. تركت المسرح الدولي خالياً، وسلمت السردية السياسية، والتحالفات، والضغط الدبلوماسي، لقوى داعمة للمليشيا، دون خطاب موحد، أو رؤية خارجية، أو استراتيجية توازي حجم الكارثة. وبينما كانت الدولة تقاتل في الميدان، كانت معركة الشرعية تُخسر في الخارج بصمت نخبوي مريب.

وتشير معلومات خاصة إلى أن مشروع الإطار التأسيسي للمجلس التشريعي الانتقالي ينص على توزيع المقاعد وفق محاصصة واضحة: 50٪ للأحزاب والتنظيمات السياسية، 25٪ لأطراف السلام، 13٪ للمجتمع المدني، 6٪ للإدارة الأهلية، 3٪ للرموز الوطنية، إضافة إلى مقاعد تكميلية فنية أو نوعية. كل ذلك دون أي تعريف حقيقي لمعايير التمثيل، أو أي اعتبار لوزن المجتمعات التي خاضت الحرب دفاعاً عن الدولة، أو حجم تضحياتها في معركة الوجود.

 

 

 

 

وبحسب ذات المصادر، يمنح الإطار المقترح المجلس التشريعي صلاحيات واسعة تشمل سن تشريعات المرحلة الانتقالية، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، وإجازة الموازنة العامة، والمصادقة على الاتفاقيات ذات الطابع السيادي أو المالي، إضافة إلى مراجعة أو إلغاء القوانين المقيدة للحريات، والموافقة على التعيينات العليا، مع تشكيل لجنة وطنية مستقلة لاختيار الأعضاء وفق معايير معلنة.

لكن، ورغم كل هذه الضمانات الإجرائية، يظل السؤال الأخطر بلا إجابة:

من يمثل من؟ ولماذا الآن؟ وعلى أي أساس أخلاقي جرى توزيع سلطة البرلمان؟

الأكثر فداحة أن المقترح يمنح أطراف السلام ربع مقاعد البرلمان، بينما يغيب تماماً ذكر المقاومة الشعبية والمجموعات المحلية التي حملت السلاح دفاعاً عن الدولة بدافع أخلاقي، لا تفاوضي. هؤلاء لم يفاوضوا الدولة، بل دافعوا عنها حين كانت النخبة السياسية تتراجع خطوة إلى الخلف، أو تراقب المشهد من مسافة آمنة.

 

 

 

 

إن إعادة إنتاج معادلة ما قبل 15 أبريل، بذات منطق المحاصصة الحزبية، ليست خطأً سياسياً عادياً، بل مقامرة حقيقية بمستقبل الدولة. فهذه الحرب ليست سوى النتيجة الطبيعية لاستقطاب سياسي حاد غذّته نخبة تعاملت مع الدولة بوصفها ساحة صراع لا كياناً يجب حمايته.

الدولة اليوم بحاجة إلى توجيه مواردها للحرب وإعادة الإعمار، لا إلى تمويل ثلاثمائة مقعد جديد مثقل بالضجيج السياسي. هي بحاجة إلى مجلس محدود، واضح التفويض، نقي الشرعية، يقوم على تمثيل الأقاليم والمجتمعات، وعلى معيار التضحية والالتزام، لا على أوزان سياسية افتراضية سقطت عند أول اختبار حقيقي.

 

 

 

المرحلة الانتقالية ليست فرصة أخيرة للنخب لتلميع صورتها، بل فرصة أخيرة للدولة لتصحيح علاقتها بشعبها. وأي مجلس تشريعي لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيولد ضعيفاً، مثقلاً بالشك، وعاجزاً عن أداء دوره، مهما كانت نصوصه محكمة، ولجانه مستقلة، وصياغاته أنيقة.

محبتي واحترامي.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى