وجدت ترحيبا داخليا وإقليميا ودوليا واسعا..
«مبادرة السودان للسلام».. في انتظار جني الثمار
تقرير- محمد جمال قندول
وجدت مبادرة رئيس الوزراء د. كامل إدريس لحل الأزمة السودانية التي طرحها بالأمم المتحدة خلال زيارته الأخيرة ترحيبا داخليا وإقليميا ودوليا واسعا لا سيما أنها تأتي في ظل توقيت استثنائي.
وثمّة تساؤلات عن إمكانية أن تجني تحركات إدريس الأخيرة ثمارها وتحدث اختراقا في عمق الأزمة السودانية.
حظيت بترحيب الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي..
ممارسة الضغط
وفي الثالث والعشرين من ديسمبر الماضي أطل رئيس الوزراء من على منصة الأمم المتحدة في نيويورك مقدما طرحا جديدا لحل الأزمة ارتكز على سودنة الحل وجعله بأيدي الشعب وانسحاب غير مشروط للميليشيا من أماكن تواجدها.
وقوبلت المبادرة بترحيب من الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ورابطة العالم الإسلامي، كما أنها تحظى بدعم داخلي متمثل بمجلسي السيادة والوزراء.
ويرى المحلل السياسي خالد الفحل بأن مبادرة رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس التي قدمها إلى مجلس الأمن الدولي وجدت قبولا من الأسرة الدولية لما تحمله من معطيات وتدابير موضوعية ومقبولة، ولذلك وجدت الدعم والإسناد من مختلف أجهزة الدولة على المستويات المختلفة وكذلك القوى الوطنية.
وأضاف الفحل بأن طرح إدريس يتميز بأنه ارتكز على الثوابت الوطنية للدولة وقد منحت المجتمع الدولي مساحة للتدخل من خلال ممارسة الضغط على الميليشيات لضمان تنفيذ المبادرة الوطنية لتحقيق السلام.
وقال خالد الفحل إنّ المرحلة الثانية من المبادرة تقع على عاتق المجتمع الدولي بمختلف منظماته لأنه شريك رئيسي في تحقيق الاستقرار وإيقاف الحرب.
وأعرب الفحل عن تطلعه لمزيد من التشاور والتفاف القوى الوطنية حول المبادرة حتى تحقق أهدافها على مختلف المستويات.
قدمت تدابير موضوعية وجدت قبولا من الأسرة الدولية..
نافذة نادرة
ويقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي إنّ مبادرة حكومة السودان للسلام التي طرحها معالي رئيس الوزراء د. كامل إدريس تأتي في لحظة سياسية بالغة الحساسية محليا واقليميا، وان أهميتها لا تكمن فى كونها الأولى من نوعها، بل لأنها تُطرح في توقيت يضيق فيه هامش المناورة، وتتقاطع فيه كلفة استمرار الحرب مع كلفة تفكك الدولة ذاتها. وهو ما يمنح المبادرة، منذ لحظة الإعلان عنها، دلالة تتجاوز كونها مقترحًا سياسيًا داخليًا إلى كونها اختبارًا جديًا لإرادة الإقليم والمجتمع الدولي معًا.
أضاف العركي بأن الدلالة الأهم في المبادرة أنها لا تنطلق من منطق إدارة الأزمة، بل من محاولة إغلاق مسارها المفتوح عبر إعادة الاعتبار للدولة السودانية بوصفها مرجعية الحل، لا أحد أطرافه، فهي لا تساوم على السيادة، ولا تُقدَّم كبديل عن الحسم العسكري في معركة الدولة، بل كمسار سياسي موازٍ يُراد له أن يقطف ثمار هذا الحسم ويمنع انزلاقه إلى فوضى ما بعد الحرب.
ويشير محدّثي إلى أن الترحيب الدولي الواسع بالمبادرة ليس إلا دلالة على فشل كل المبادرات الخارجية المفروضة ومُسيسة. بالتالي يمكن قراءة ذلك بوصفه ادراكاً حقيقياً بخطورة استمرار الحرب ومساراتها المفتوح وتداعياتها على الإقليم، فالعواصم المؤثرة تدرك اليوم أن إطالة أمد الصراع لم تعد خيارًا قابلًا للإدارة، وأن أي تفكك في السودان سيُطلق موجة اضطراب تمتد من قلب أفريقيا إلى البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للملاحة، والطاقة، والأمن الإقليمي.
المبادرة تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية محليا واقليميا..
وبحسب عمار فإن فرص نجاح المبادرة، وفق هذه القراءة، ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية: أولها، تماسك الجبهة الداخلية الرسمية خلف المبادرة، وتقديمها بوصفها خيار الدولة لا مناورة سياسية عابرة.
زاد العركي: ثانيها، تحييد التدخلات الخارجية السالبة التي استفادت من استمرار الحرب أو وظّفتها ضمن صراعات النفوذ الإقليمي.
تابع: ثالثها، تحويل الترحيب الدولي من موقف سياسي إلى التزام عملي ضاغط يمنع عرقلة المسار، لا الاكتفاء بالترحيب والمباركة من بعيد.
واعتبر د. عمار بأن مبادرة رئيس الوزراء ليست مجرد فرصة لإنهاء حرب، بل نافذة نادرة لإعادة ضبط علاقة السودان بإقليمه، من موقع الفاعل لا الساحة، ومن منطق الدولة لا الفراغ. والفشل في التقاط هذه اللحظة لن يكون خسارة للسودان وحده، بل كلفة مؤجلة سيدفعها الإقليم بأسره.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل المبادرة مثالية؟ بل السؤال: هل يحتمل السودان، ويحتمل الإقليم، تفويت آخر الفرص الواقعية قبل أن تفرض الوقائع حلّها بالقوة والفوضى العارمة التي ستعم كل الإقليم؟..
* صحيفة الكرامة











