مقالاتالأخبار الرئيسية

عمار العركي يكتب.. خبر وتحليل: هل تعيد (أرض الصومال) و(حضرموت) تشكيل أرضية محادقات أردوغان- البرهان؟

النورس نيوز

خبر وتحليل

عمار العركي

هل تعيد (أرض الصومال) و(حضرموت) تشكيل أرضية محادقات أردوغان- البرهان؟

الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) متوقعاً، بل تأخر كثيراً في إطار نفوذ الوكيل الإماراتي، وخطط ابوظبي التوسعية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والذي يُعد تحوّل خطير على مسار إقليمي أوسع، يقوم على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية عبر بوابات الكيانات الهشة والمناطق ذات الحساسية الاستراتيجية.

هذا التطور المتوقع في ظل كثيرا من المؤشرات والمعطيات الدالة عليه، وجهت أوساط صومالية اتهامها الي دولة الإمارات بالوقوف خلف ترتيباته، مما فتح الباب امام  نقاشًا عميقًا يجري في في مقديشو، لكنه في الوقت نفسه تجاوزها ليطرح أسئلة مقلقة في الخرطوم وأنقرة، بل ويمتد بظلاله إلى ساحات أخرى مثل حضرموت.

في الصومال، استُقبل الاعتراف بوصفه مساسًا مباشرًا بجوهر الدولة. فالدولة التي لم تفرغ بعد من معركة تثبيت سلطتها المركزية، تجد نفسها أمام محاولة خارجية لإضفاء شرعية على كيان انفصالي، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة البلاد واستقرارها. هذا الإدراك دفع النقاش داخل دوائر القرار الصومالي إلى ما هو أبعد من لغة “الشجب”، وصولًا إلى التفكير في إتخاذ  خطوات تصعيدية قاسية، من بينها “مراجعة العلاقات مع الإمارات، وإغلاق الأجواء الصومالية، وطرح إغلاق قاعدة “بوصاصو” التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقطة تقاطع لملفات إقليمية تتجاوز الصومال ذاته وصولا الي غرب السودان.

هنا يبدأ الخيط السوداني في الظهور بوضوح. فبوصاصو ليست مجرد ميناء صومالي، بل عقدة لوجستية يُتداول ارتباطها بمسارات دعم عابرة للحدود، من بينها دعم  الحرب  في السودان. وأي تحرك صومالي لإعادة ضبط هذا الملف- إذا ما تم- ستكون له انعكاسات غير مباشرة على توازنات الصراع السوداني، وعلى شبكات الدعم الإقليمي التي غذّت الحرب. والأهم من ذلك أنه يضع الخرطوم أمام مرآة إقليمية تعكس حقيقة مقلقة تقول “ما يُنتج اليوم في شمال الصومال قد  يُستنسخ ويُصدر الي  بيئات هشة أخرى”.

في هذا السياق، تبرز حضرموت بوصفها النموذج الموازي الهش  الذي لا يزال في طور التشكّل. فكما هو الحال في (أرض الصومال)، تجمع حضرموت بين الجغرافيا الحساسة، والثقل الاقتصادي، والموقع البحري الحيوي، في ظل دولة مركزية منهكة بالصراع. الفارق أن ملف حضرموت لم يصل بعد إلى مرحلة الاعتراف العلني أو الإعلان الصريح، لكنه يتحرك في الفضاء ذاته الذي يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، ويفتح شهية القوى الإقليمية على الاستثمار في الكيانات دون الوطنية. من هنا، يصبح الربط بين «أرض الصومال» وحضرموت ليس قفزًا تحليليًا، بل قراءة في نمط يتكرر بأدوات مختلفة لصالح جهات عبر وكيل واحد معتمد وهي “الإمارات”.

في المقابل، تقف تركيا في موقع يتقاطع فيه المبدئي بالاستراتيجي. أنقرة، التي بنت حضورها في الصومال على دعم الدولة المركزية ورفض منطق التفكيك، ترى في هذه التطورات تهديدًا مباشرًا لاستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر معًا. وهي تدرك أن نجاح نموذج (الكيانات الهشة المعترف بها) في الصومال أو اليمن سيخلق بيئة إقليمية مضادة لمصالحها، ويقوّض رؤيتها القائمة على التعامل مع الدول لا مع الأقاليم، ولها تجربة مع النموذج الشرق ليبي.

من هنا يكتسب السؤال حول محادثات أردوغان– البرهان وزنه الحقيقي. فزيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أنقرة تأتي في لحظة إقليمية مشبعة بإشارات إعادة التموضع، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه الملفات. السودان، الذي يخوض حربًا مفتوحة ومدعومة خارجيا بشكل كبير، يدرك أن معارك السيادة والشرعية لم تعد تُخاض فقط على خطوط التماس العسكرية، بل أيضًا عبر الاعترافات، والموانئ، وترتيبات ما بعد ذهاب الدول. وفي هذا الإطار، تتقاطع مصلحة السودان الموضوعية مع الموقف التركي الرافض لتفكيك الدول عبر دعم الكيانات الانفصالية أو التعامل مع الأقاليم بمعزل عن الدولة المركزية. وبالتالي فإن الاقتراب من هذه الرؤية أو التنسيق معها لا يُعد خيارًا سياسيًا عاديًا، بل حاجة مُلحة  تُمليها مصالح البلدين.

بالتالي، لا يعود ملف (أرض الصومال) أو (حضرموت) مجرد خلفية بعيدة لمحادثات (أردوغان– البرهان)، بل جزءًا من الأرضية التي يُعاد تشكيلها لهذه المحادثات، سواء أُعلن ذلك صراحة أم بقي في مستوى الرسائل الضمنية.

خلاصة القول ومنتهاه:

* القاسم المشترك بين هذه الملفات- أرض الصومال، حضرموت، السودان، محادثات أنقرة- لا يكمن في تفاصيلها الظاهرة، بل في جوهرها العميق، وهو مصير “الدولة الوطنية” نفسها في إقليم بات مفتوحًا على التدخلات وإعادة الترتيب.

* فالسؤال لم يُعد متعلقًا “بأرض الصومال أو حضرموت” كحالات منفصلة، بل أصبح من يملك قرار مستقبل السودان وحدوده؟ وهل يظل هذا القرار بيد الدولة المركزية وشعبها؟؟، أم ينتقل تدريجيًا إلى قوى إقليمية ودولية تفرض وقائع جديدة ثم تبحث لها عن شرعية سياسية؟؟.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى