أسمرة ـ النورس نيوز ـ في وقت تحبس فيه المنطقة أنفاسها جراء استمرار النزاع السوداني وتمدد تداعياته الجيوسياسية، جاءت زيارة الوفد الوزاري المصري رفيع المستوى السبت إلى العاصمة الإريترية أسمرة، لتضع ملف السودان في صدارة الأولويات غير المعلنة للتحرك المشترك بين الطرفين.
البيان الرسمي وإن بدا دبلوماسياً، إلا أن كواليس المباحثات مع الرئيس أسياس أفورقي كشفت عن رغبة مصرية-إريترية جادة في صياغة مقاربة جديدة للأزمة السودانية، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي ترى الدولتان أنها أسهمت في إطالة أمد الحرب.
لماذا يمثل السودان المربع الأهم للقاهرة وأسمرة؟
لم يكن استعراض وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي للرؤية المصرية تجاه السودان مجرد بروتوكول معتاد؛ فالبلدان يتقاسمان حدوداً وتاريخاً ومصالح حيوية مباشرة مع الخرطوم، ويواجهان معاً ارتدادات هائلة جراء موجات النزوح وتأثر حركة التجارة الإقليمية.
وتتقاطع الرؤية المصرية مع التوجه الإريتري في نقطة جوهرية: رفض أي مخططات لتفكيك مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وحماية سلامة أراضيها. هذا التناغم يشير إلى رغبة في خلق “محور استقرار” شرقي قادر على فرض رؤية دول الجوار في أي تسوية سياسية مقبلة، والحد من نفوذ الأطراف الإقليمية الصاعدة التي تبحث عن موطئ قدم في هذا الملف المعقد.
الممر البديل.. خط أسمرة-بورسعيد يتحدى شلل الموانئ السودانية
اللافت في الزيارة كان الحضور القوي للشق التنفيذي ممثلاً في وزير النقل كامل الوزير، والتوقيع الفوري على اتفاقية تسيير خط ملاحي للشحن يربط الموانئ المصرية بالإريترية عبر البحر الأحمر.
هذه الخطوة، وإن بدت ثنائية، إلا أنها تحمل أبعاداً سودانية بامتياز؛ ففي ظل الشلل اللوجستي الذي يضرب أجزاء واسعة من حركة التجارة السودانية، يرى مراقبون أن تعزيز الربط اللوجستي بين مصر وإريتريا يستهدف:
تأمين بدائل تجارية لوجستية: تضمن استمرار تدفق السلع والخدمات في منطقة شرق أفريقيا وحوض البحر الأحمر دون الاعتماد الكلي على الممرات التقليدية المتأثرة بالصراع.
تطوير البنية التحتية الحدودية: عبر استعداد مصر لتطوير الموانئ والسكك الحديدية الإريترية، مما يمهد لربط إقليمي مستقبلي يشمل السودان بمجرد استقرار الأوضاع.
هل تشهد المنطقة حلفاً جديداً لمحاصرة الأزمة؟
الرسائل الصادرة من أسمرة تؤكد أن القاهرة لم تعد تكتفي بـ”مراقبة” المشهد السوداني، بل تتحرك بنشاط لبناء شبكة أمان إقليمية. إشادة الرئيس أفورقي بالدور المصري “الفاعل” تمنح القاهرة ضوءاً أخضر لتعميق هذا التنسيق؛ فهل تنجح الدبلوماسية المصرية، مدعومة بالثقل الإريتري، في تحويل شرق أفريقيا إلى منصة قوية لفرض حل “سوداني-سوداني” يحمي مؤسسات الدولة، أم أن تعقيدات الميدان ستسبق طموحات المحور الجديد؟











