أخبار

الخلاف بين موسى هلال وحميدتي.. لماذا وكيف الجزء 2

النورس نيوز

الخلاف بين موسى هلال وحميدتي.. لماذا وكيف الجزء 2

بقلم الصادق الرزيقي

النورس نيوز _ في إطار إعادة قراءة محطات الصراع المعقد داخل التكوينات المسلحة في إقليم دارفور، تتكشف تفاصيل جديدة حول جذور الخلاف بين الشيخ موسى هلال وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، وهو خلاف لم يكن وليد لحظة عابرة، بل جاء نتيجة تراكمات إدارية ومالية وأمنية امتدت لسنوات وشكلت لاحقاً أحد أهم المنعطفات في بنية القوات شبه النظامية في السودان.

مصادر مطلعة تشير إلى أن التباينات بدأت تتصاعد منذ مرحلة مبكرة من تجربة “حرس الحدود”، وهي القوة التي تشكلت في سياق الحرب بإقليم دارفور مطلع الألفية. فقد برزت خلافات حول طبيعة الإدارة وتوزيع الصلاحيات، خاصة فيما يتعلق بالهيكلة المالية ومنح الرتب العسكرية المعروفة بـ“النمر”، إضافة إلى قضايا التجنيد والدعم اللوجستي. وتشير معطيات تلك الفترة إلى أن بعض القيادات الميدانية داخل الحرس كانت تطالب بفصل إداري ومالي كامل عن الشيخ موسى هلال والتعامل المباشر مع مؤسسات الدولة، وهو موقف عبّر عنه حميدتي بوضوح، مطالباً بإعادة ترتيب موازين السلطة داخل القوة.

 

 

 

 

وتكشف الوقائع أن أحد أبرز أسباب الاحتقان تمثل في حدود الانتشار الجغرافي والنفوذ العملياتي، إذ ظلّت مناطق واسعة غربي نيالا وحتى جبل مرة خارج نطاق إشراف حميدتي، بما في ذلك مناطق كاس وشطاية وجنوب جبل مرة. في المقابل، كانت هناك مجموعات تتبع لحرس الحدود تشكلت في تلك المناطق بقرارات محلية لتأمين طريق نيالا–كاس–زالنجي، وأسندت قيادتها إلى شخصيات من قبائل مختلفة، ما عزز شعور التنافس داخل البيت الواحد وأوجد تصورات متباينة حول الولاء والتنسيق.

أحد أكثر الأحداث حساسية وقع في أواخر عام 2006، حين قُتل القيادي محمد هادي عمير المعروف بـ“دقيرشو” خلال مناسبة اجتماعية شمال دارفور، في حادث إطلاق نار أثار توترات قبلية حادة بين مجموعات المحاميد والماهرية. الاتهامات المتبادلة آنذاك كادت أن تقود إلى مواجهات مسلحة واسعة، بعد أن حُشدت أعداد كبيرة من العربات القتالية حول منطقة العزاء جنوب غربي كبكابية، في مشهد عكس حجم الاحتقان القائم. غير أن وساطات أهلية ورسمية حالت دون انفجار الوضع، وسط حضور قيادات إدارية وأمنية بارزة.

 

 

 

 

ورغم احتواء الأزمة آنذاك، إلا أن العلاقة بين الطرفين لم تعد إلى سابق عهدها، بل دخلت مرحلة من الفتور العميق. ومع تمرد حميدتي لفترة وجيزة عام 2007 ثم عودته، برزت ملامح استقطاب قبلي وسياسي داخل الإقليم، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الدولية على الحكومة السودانية عقب اتهامات المحكمة الجنائية الدولية للرئيس الأسبق عمر البشير وعدد من المسؤولين.

في تلك الأجواء، بدأ داخل المؤسسة العسكرية نقاش حول مستقبل “حرس الحدود”، مع اتجاه لتقليص القوة تمهيداً لإعادة هيكلتها أو حلها. وشهدت تلك المرحلة تقليصاً في منح الرتب العسكرية وحجباً للدعم المالي، الأمر الذي انعكس مباشرة على نفوذ الشيخ موسى هلال وقدرته على الوفاء بالتزامات التجنيد التي كان قد تعهد بها.

 

 

 

بحلول عام 2009، انتقلت الخلافات إلى العلن مع صدور تصريحات ناقدة من هلال تجاه حكومة الإنقاذ، قبل أن تجرى محاولات وساطة لاحتواء التوتر. لكن مراجعات واسعة داخل المؤسسة العسكرية عام 2010 انتهت إلى قرار تصفية تجربة حرس الحدود ودمج بعض عناصرها في القوات النظامية وتسريح آخرين، في خطوة كان من بين الضباط الذين شاركوا في ترتيباتها ضابط الجيش آنذاك عبد الفتاح البرهان، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لمجلس السيادة.

في خضم تلك التحولات، اتجه موسى هلال إلى الاستثمار في قطاع التعدين الأهلي بمنطقة جبل عامر شمال دارفور، وهي منطقة أصبحت لاحقاً من أهم بؤر إنتاج الذهب في البلاد. توسع النشاط التعديني هناك خلق واقعاً اقتصادياً جديداً زاد من حساسية العلاقة بين القوى المسلحة المحلية، في وقت كان حميدتي يواصل صعوده السياسي والإداري في جنوب دارفور، ويراقب التحركات شمالاً عن كثب.

 

 

 

تطور الأحداث خلال السنوات التالية، بما في ذلك تأسيس مجلس الصحوة الثوري وإطلاق مواقف سياسية ناقدة، رسّخ القطيعة بين الرجلين ومهد لتحولات كبرى في المشهد الأمني والسياسي بدارفور. مراقبون يرون أن تلك المرحلة كانت النواة الأولى لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الإقليم، قبل أن تتمأسس قوات الدعم السريع لاحقاً كقوة مستقلة عن الأطر السابقة.

وتبقى تلك الوقائع جزءاً من سياق أعقد شهدته دارفور والسودان عموماً، حيث تداخلت العوامل القبلية والأمنية والاقتصادية مع حسابات الدولة وإعادة هندسة تشكيلاتها المسلحة، في مسار ما زالت تداعياته ماثلة حتى اليوم.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى