عزمي عبد الرازق يكتب: «يا نزار، اليوم تقترح نزور وين؟»

هكذا يبدأ رئيس الوزراء المُعيَّن كامل إدريس برنامجه اليومي؛ سؤال روتيني، ممل، بلا مفاجآت، وبلا معنى. أحياناً يضطر لإعادة زيارة أماكن كان قد مرّ بها قبل ساعات رئيس مجلس السيادة أو رئيس لجنة إعادة إعمار ولاية الخرطوم، أو والي الخرطوم، كما حدث اليوم، وأمس أيضاً، وكأن الثلاثة في سباق محموم، من يصل أولاً لالتقاط الصورة، أو يوقّع على دفتر الحضور؟ أما الإنجاز فمؤجل إلى أجل غير مسمى.
فجأة تخلى كامل إدريس عن الخطط الكبيرة، التي خدع الناس بها في خطابه الأول، وعن الأفكار التي تُشبه الدول والتحديات، وتحول إلى قاطرة زيارات تجوب شوارع الخرطوم، بحثاً عن خيط إنجازٍ متوهّم، مغرق في الاستعراض الدرامي، ليمنح وكالة سونا الخبر اليومي المنتظر.
لا خطة تنموية قابلة للتنفيذ، ولا برنامج إعمار حقيقي كما تقتضيه مرحلة ما بعد الحرب؛ فالإعمار، ببساطة، لا يقوم على الكاميرات، وإنما على توفير المال والمشروعات، والقدرة على اختراق الصعاب، واتخاذ قرارات شجاعة، لكنها مهارات لا تتوفر لدى الرجل، ولا قبيلة المستشارين التي تلهث معه.
وعندما يصطدم بالعجز، وموت الخيال، يعود إلى حضن سلسلة عبارات فضفاضة من شاكلة «الأمل»، «الاستشفاء الوطني»، وهي شعارات مصمَّمة بعناية حتى لا يُحاسَب قائلها على شيء، كلمات رقيقة، مثل أثر الفراشة، لا تُطعم جائعاً، ولا تعيد مدينة مدمرة، ولا توفر وظيفة، ولا تطبب مريض، ولا تشتري محول كهرباء في دولة أنهكتها الحرب.
دعك من الصورة الباهتة، وسوء التوفيق الملازم لكل خطوة، فالسؤال الجوهري يظل عالقاً كالوشم المنحوت: إلى متى يستمر هذا العرض الهزلي في بلدٍ يحتاج إلى رجال دولة، لا إلى زوار موسميين؟ إلى مسؤولين تتحدث عنهم أفعالهم، وليس أضواء الكاميرات المصاحبة لكل زيارة خاطفة؟
على ما يبدو، فإن مشاورات اختيار رئيس وزراء جديد قد قطعت شوطاً معتبراً، في سياق تغييرات أوسع ستطال مواقع عديدة، من بينها هذا الموقع التنفيذي بالغ الحساسية، وهنا تحديداً وضع كامل إدريس اليوم أقرب إلى شخص وضع طوبة لحجز المقعد، فقط حتى لا يبدو شاغراً، لا أكثر ولا أقل، والآن ثمة حاجة لأن يظهر صاحب المقعد.











