رحمة عبد المنعم يكتب: «المؤتمر القومي للشباب».. ابتكارات ومشروعات
النورس نيوز
رحمة عبد المنعم يكتب: «المؤتمر القومي للشباب».. ابتكارات ومشروعات
افتُتحت اليوم السبت في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، أعمال المؤتمر القومي الأول لمعالجة قضايا الشباب، الذي تنظمه وزارة الشباب والرياضة الاتحادية، تحت شعارٍ بدا كأنه خلاصة مرحلة كاملة: «الشباب يتحدى الصعاب.. بعزم بناء وأصالة انتماء»، ولم يكن الشعار ترفاً لغوياً، بل مدخلاً طبيعياً لمشهد وطني نادر، اجتمع فيه شباب من 13 ولاية سودانية تحت سقف واحد، في لحظة تشبه السودان كما نحب أن نراه: متنوعاً، متماسكاً، ومشغولاً بالمستقبل.
وشهدت الجلسة الافتتاحية حضور عدد من الوزراء والمسؤولين ومديري المؤسسات، لكنها في جوهرها كانت جلسة للشباب، لأسئلتهم المؤجلة، وأحلامهم التي تبحث عن فرصة لا عن شفقة، بدا المشهد وكأن عطبرة، بتاريخها النقابي والوطني، تستعيد دورها الطبيعي كمكان يُصغي للأفكار الجديدة قبل أن يُصفق لها.
وخاطب وزير الشباب والرياضة، البروفيسور أحمد آدم أحمد، الجلسة الافتتاحية بلغة مباشرة، دعا فيها إلى تمكين الشباب، والاهتمام بقضاياهم، ودعم مشروعاتهم وابتكاراتهم، بوصفهم الرأسمال الحقيقي للدولة، لا في الخطب، بل في الحسابات الاستراتيجية، لم يكن حديثه احتفالياً، بل أقرب إلى إعلان موقف مفاده أن الشباب ليسوا هامشاً في الدولة، بل متنها القادم.
وخلال كلمته، قدّم والي ولاية نهر النيل، الدكتور محمد البدوي عبد الماجد، بشرى إنشاء مدينة صناعية متكاملة في الولاية، مدينة تستوعب طاقات الشباب وأفكارهم، وتحوّل الابتكار من تجربة فردية إلى مشروع إنتاجي، وكانت تلك البشارة بمثابة جسر بين ما يُقال على المنصات، وما يمكن أن يُنفذ على الأرض.
المؤتمر في مساره العام، لم يكتفِ بالكلمات، بل شهد عروضاً حية لمشروعات وابتكارات شبابية، عكست حجم الطاقة الكامنة التي تنتظر فقط من يفتح لها الباب، ومن بين هذه النماذج، زورق يعمل بمتحرك من اختراع الشاب مصطفى حجازي، وركشة تعمل بالطاقة الشمسية ابتكرها الشاب فتح الرحمن حمد، إلى جانب ابتكارات أخرى تؤكد أن العقل السوداني، حين يُمنح الفرصة، يذهب مباشرة إلى الحل، لا إلى الشكوى.
وما ميّز المؤتمر أنه اتخذ منحى جاداً، يتجاوز الشكل الاحتفالي، نحو استعراض ابتكارات علمية وتقنية غير مسبوقة، يمكن لها أن تُحدث، في المستقبل القريب، فرقاً حقيقياً في الاقتصاد السوداني، إذا ما وجدت الرعاية والتمويل والتخطيط السليم، كما أولى المؤتمر اهتماماً خاصاً بالشباب العاملين في المجالات التقنية الحديثة، وعلى رأسها الأمن السيبراني، باعتباره أحد ميادين الصراع الجديدة، وضرورة وطنية لحماية البلاد من أي تعديات إلكترونية مستقبلية.
ولم يكن نجاح الجلسة الافتتاحية وليد الصدفة، بل جاء ثمرة مجهودات واضحة وتحركات نشطة لوكيل وزارة الشباب والرياضة، ورئيس اللجنة العليا للمؤتمر، الدكتور هاني أحمد تاج السر، الذي بدا نموذجاً للمسؤول صاحب الرؤية، لا مجرد مدير للملفات، وفي كلمته، تحدث الدكتور هاني عن الرهان الكبير على هذا المؤتمر، باعتباره منصة تفتح المجال أمام أفكار الشباب وابتكاراتهم، حتى تجد طريقها إلى اهتمام الدولة، والشركات الخاصة، والصناديق الدولية، بما يسهم في تنمية هذه المشروعات وتحويلها إلى واقع اقتصادي ملموس.
وقد حظي الدور الذي اضطلع به وكيل وزارة الشباب والرياضة، الدكتور هاني أحمد تاج السر، بتقدير واسع، ليس فقط بصفته رئيساً للجنة العليا للمؤتمر، بل باعتباره عقل الفكرة وروحها المحركة، فقد بدا واضحاً أن ما تحقق في الجلسة الافتتاحية هو ثمرة عمل صامت، وتخطيط دؤوب، ورؤية تؤمن بأن الوزارة يمكن أن تفعل الكثير حتى في ظل شح الإمكانات،ويُحسب له أنه قدّم نموذجاً مختلفاً للمسؤول التنفيذي، الذي لا ينتظر الظروف المثالية، بل يصنع هامش الحركة داخل واقع صعب، ويضع الشباب في صدارة الأولويات لا في هوامش الخطط.
ولم يكن افتتاح المؤتمر حدثاً عادياً، بل لحظة اعتراف بالشباب، وبأن الأمة لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بسواعد أبنائها حين يُؤمن بهم.. كان الافتتاح جميلاً ومحضوراً، لا لأنه مكتمل، بل لأنه صادق.. وصادق هو الرهان على الشباب، لأن الأوطان في نهاية الأمر، لا تشيخ إذا كان شبابها يفكرون… ويبتكرون…











