دعاش الخير
الصفح شيمتنا
في خضمّ صخب الحياة وتدافع المصالح تظل القيم النبيلة هي المنارة التي تهتدي بها الإنسانية ومن أسمى هذه القيم شيمة الصفح وتجاوز أذى الآخرين، تلك الفضيلة التي لا تُبنى بها المجتمعات فحسب بل تنهض بها الأمم ويعمر الحاضر والمستقبل فالصفح ليس تنازلاً عن حق، بل هو انتصار للنفس على أحقادها، وارتقاء بالعلاقات إلى فضاء أوسع من التسامح والتعاضد.
في هذا السياق الإنساني النبيل تلقيت دعوة كريمة من صديقي الشيخ الدكتور الأمين عمر الأمين، للاحتفال بمرور ألف يوم على استمرار “تكية مسيد الرحمة” بأم درمان، وسط ظروف لا يمكن وصفها إلا بالاستثنائية حيث دوي الرصاص وهدير المدافع يشكلان الخلفية اليومية ومع ذلك لم تتوقف هذه التكية، بل ازدادت عطاءً لتمثل واحة أمان في جحيم الحرب.
لم تكن التكية مجرد مكان لتقديم وجبة غذاء بل تحوّلت إلى منارة متكاملة تقدم الغذاء والدواء والتعليم بينما يضج المسيد بالذكر، في مشهد يجسد التلاحم بين سد الجوع والعطش الجسدي وإشباع الروح بالطمأنينة والإيمان.
هذا الصرح الإنساني العظيم لم يشيد من فراغ بل هو ثمرة تضحية قلّ نظيرها قدمها شيخنا الأمين وأبناؤه وبناته وحيرانه الذين جعلوا خدمة عباد الله غايتهم الكبرى.
ولعل أبلغ دليل على سمو هذه الرسالة هو أن هذه المجموعة الكريمة قدمت أربعة من أبنائها شهداء في حرب الكرامة فداءً للوطن وللإنسان، مثبتين أن العطاء الحقيقي هو بذل النفس رخيصة في سبيل إغاثة الملهوف وإسعاد المحروم إن عظمة هذا الفعل تتجاوز كل تقدير دنيوي وجزاؤه عند الله عظيم، فهو العمل الصالح الذي لا ينقطع بموت صاحبه، بل يظل صدقة جارية وذكراً حميداً.
وتقديراً لهذا العطاء الوطني والإنساني المتدفق، حرصت الدولة على تكريم هذه الجهود حيث زار الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة مسيد الرحمة ووقف بنفسه على الخدمات الجليلة التي يقدمها المسيد والتكية طوال فترة الحرب في العاصمة الخرطوم، معبراً عن تقديره البالغ لهذا النموذج الفريد في التضحية والعطاء.
آخر الدعاش:
باسم محبيك وأهل السودان جميعاً، نرفع صوت شكرنا وامتناننا للدكتور الشيخ الأمين عمر الأمين، راجين من المولى عز وجل أن يجزيه خير الجزاء، ويحميه ويحمي حيرانه ويُمد في عمر هذا الصرح الخيري، ليبقى شاهداً على أن “الصفح شيمتنا”، وأن العطاء سجيتنا، حتى في أحلك الأوقات وأن تكية الرحمة… نبع العطاء في زمن الحرب… فشكرا بحجم المحبة لحيران شيخ الامين من الرجال ومن النساء…











