الحل ليس حلاً…!!
الطاهر ساتي /النورس نيوز
تستحضر حكاية من “كليلة ودمنة” درساً قائماً على الحيلة والمكر، لكنه يفضح خطورة التفريط بالرفاق أو التضحية بالثوابت: الأسد أراد افتراس ثلاثة ثيران، فأقنع الأول والثاني بالتخلي عن الآخر، حتى استسلم الثالث بعدما فقد رفيقيه. الخلاصة: من يفرّط اليوم، سيكون ضحية الغد.
وفي المشهد السياسي السوداني الحالي، يبدو أن هذه القصة تستحضر نفسها في سيناريو مجلس السيادة. رئيس المجلس والقائد العام للجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قد يُهيئ لنفسه مغادرة دفة القيادة قبل الأوان، أو التنازل عن شركائه في المجلس. وهذا التنازل، كما يوضح التاريخ، لا يوقف الأعداء بل يفتح الطريق أمامهم للاستمرار في الضغط، حتى على من تنازل بنفسه.
البرهان اليوم بحاجة إلى رفاقه العسكريين في مجلس السيادة أكثر من أي وقت مضى. فالحرب لم تنته بعد، والمعركة القادمة لن تكون كلها ميدانية، بل ستتضمن أبعاداً سياسية وأمنية قد تستهدفه شخصياً. المؤامرات الإقليمية، وأجندات بعض الأطراف الخارجية، تجعل أي خلل في القيادة أو حل المجلس قبل انتهاء المعركة أمرًا بالغ الخطورة.
ثبات القيادة وتماسك فريق العمل، كما يشير الواقع، هو مفتاح الانتصار في جميع المعارك، سواء العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية. فالفريق المتماسك قادر على اتخاذ القرارات الجماعية بشكل أفضل من أي قرارات فردية، ويستطيع مواجهة التحديات المعقدة بثقة أكبر.
وفي هذا السياق، فإن أي تسريب عن حل مجلس السيادة قبل حسم الحرب قد يكون محسوباً لجس نبض الشارع، لكنه في الواقع يُضعف الجبهة الداخلية ويخدم أجندات الخصوم، الذين لا يكتفون فقط بمحاولة السيطرة على المؤسسات، بل قد يستهدفون الأفراد أيضاً.
تظل مؤسسات الدولة الأخرى ناقصة، بدءاً من المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية، مروراً بمجلس القضاء ومجلس النيابة، وانتهاء بالمجلس الأعلى مع شركاء سلام جوبا. لذلك، أي محاولة لحل مجلس السيادة الآن قد تترك البلاد في فراغ دستوري كامل، ما يضاعف المخاطر الأمنية والسياسية.
المرحلة التي تلي انتهاء الحرب يجب أن تشهد التزاماً واضحاً من مجلس السيادة بتسليم السلطة للشعب عبر الانتخابات، كما تم التعهد به. وعليهم المغادرة سوياً، فلا فضل لأحد على الآخر، حتى لا تتكرر تجربة الماضي التي دفع فيها الشعب ثمناً باهظاً من الدماء والتضحيات، واستعاد إرادته ليبني دولة القانون والمؤسسات.

الدرس واضح: التفريط برفيق أو بثوابت القيادة اليوم، قد يعني هلاك الجميع غداً. والسودان شعب واعٍ، لن يسمح بإعادة إنتاج تجارب الحكم السابقة، وسيظل حارساً على قراره ومستقبله.









