الخرطوم ـ النورس نيوز
استقرت أسعار العملات الأجنبية في السوق الموازية بالسودان عند مستويات قياسية غير مسبوقة، وسط أزمة سيولة دولارية وصفت بأنها “الأعمق منذ عقود”، في وقت تحولت فيه حركة الصرف إلى انعكاس مباشر لتبعات النزاع العسكري المستمر.
وأظهرت تعاملات اليوم الثلاثاء فجوة حادة في تسعير النقد الأجنبي بين المدن السودانية، مما يعكس تفكك السوق الموحدة وتحولها إلى شبكات تداول محلية تفتقر إلى مرجعية نقدية مركزية.
شبح الـ 5000 جنيه: هل ينهار الصرف تماماً؟
تداول المتعاملون في الأسواق الموازية الدولار الأمريكي ضمن نطاق واسع يتراوح بين 4200 و4400 جنيهاً، ليستقر متوسط سعر البيع عند حدود 4300 جنيهاً، بينما بلغ متوسط سعر الشراء نحو 4200 جنيهاً.
ويرى خبراء اقتصاديون أن حاجز الـ 5000 جنيه للدولار الواحد لم يعد احتمالاً بعيداً، بل بات سيناريو مرجحاً في ظل استمرار المعارك، وتراجع الصادرات الحيوية، وشح التدفقات النقدية الخارجية.
وفي المقابل، تواصل البنوك الرسمية إعلان أسعار تقل بأكثر من 1000 جنيه عن السوق السوداء، مما يؤكد الانفصال التام بين القطاع المصرفي والواقع الفعلي للأسواق.
وفي مسار موازٍ، سجلت العملات العربية والأجنبية قفزات تاريخية في تعاملات اليوم؛ إذ تخطى الريال السعودي حاجز 1114.05 جنيهاً للشراء و1140.58 جنيهاً للبيع، في حين استقر الدرهم الإماراتي عند 1144.41 جنيهاً للشراء و1171.66 جنيهاً للبيع. كما قفز الريال القطري ليسجل 1150.68 جنيهاً للشراء و1167.58 جنيهاً للبيع، بينما بلغت العملة المصرية مستويات غير مسبوقة مسجلة 79.62 جنيهاً للشراء و81.51 جنيهاً للبيع.
وعلى صعيد العملات الأوروبية، تجاوز اليورو حاجز 4941.17 جنيهاً للشراء و5058.82 جنيهاً للبيع، وارتفع الجنيه الإسترليني إلى 5675.67 جنيهاً للشراء و5810.80 جنيهاً للبيع. وفي أقصى الارتفاعات النقدية، سجل الدينار الكويتي 13548.38 جنيهاً، والريال العماني 11100 جنيهاً، بينما استقر الدينار البحريني عند متوسط 11052 جنيهاً، وسط تفاوت نسبي وتخبط واضح في الأسواق من مدينة إلى أخرى.
“اقتصاد شبه نقدي”.. كيف يواجه السودانيون ندرة الكاش؟
إلى جانب التراجع الحاد في القيمة الصرفية، تواجه الأسواق السودانية معضلة أعمق تتمثل في نقص حاد في العملة الورقية (البنكنوت). هذا الشح دفع المتعاملين والمواطنين إلى الاعتماد شبه الكامل على المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية الرقمية لإتمام المعاملات اليومية.
تقرير دولي: “تنتقل البلاد تدريجياً نحو اقتصاد شبه نقدي، حيث تعطلت العديد من المعاملات الصغيرة بسبب ندرة الجنيه الورقي، بالتزامن مع ارتفاع قياسي في رسوم التحويلات الرقمية نتيجة زيادة الطلب على الوسائط الإلكترونية.”
نزيف الذهب.. أين تذهب ثروات السودان؟
وفقاً لتقارير صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية ومؤسسات مالية مثل بلومبرغ و*فاينانشال تايمز*، فإن الجنيه السوداني فقد أكثر من 15% من قيمته خلال الأسابيع القليلة الماضية، وما يتجاوز 700% منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وعزت التقارير هذا التدهور البنيوي إلى عوامل رئيسة أبرزها:
توسع شبكات التهريب: تهريب نحو 60% من الذهب السوداني خارج القنوات الرسمية، مما يحرم الخزينة العامة من أهم مصادر النقد الأجنبي.
عجز السياسة النقدية: ضعف قدرة البنك المركزي على التدخل لضبط الأسواق وتوفير السيولة.
الضغط التجاري: ارتفاع تكاليف استيراد الوقود والسلع الأساسية، مع زيادة المضاربة على العملات الصعبة كأداة لحفظ القيمة.
وتجمع التقارير الدولية والمحللون على أن وقف النزاع العسكري يظل الشرط الأساسي والوحيد لوقف الانهيار المتسارع، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار النقدي في البلاد











