تحول لافت في الخرطوم.. نساء يقتحمن سوق العقارات
النورس نيوز
في مشهد اقتصادي واجتماعي يعكس حجم التحولات العميقة التي فرضتها الحرب في السودان، برزت في العاصمة الخرطوم ظاهرة جديدة تتمثل في دخول أعداد متزايدة من النساء إلى مجال السمسرة العقارية ووساطة الإيجارات، وهو قطاع ظل لسنوات طويلة حكراً على الرجال. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة مباشرة لانهيار مصادر الدخل التقليدية، واتساع رقعة النزوح، وارتفاع الطلب على السكن في مناطق محدودة تُعد أكثر استقراراً نسبياً.
وبحسب ما رصدته تقارير محلية، فإن هذه الظاهرة تتسع تدريجياً، حيث بدأت العديد من النساء العمل كوسيطات بين ملاك العقارات والمستأجرين، مستفيدات من شبكات العلاقات الاجتماعية، ومنصات التواصل الاجتماعي التي باتت تلعب دوراً محورياً في تسويق العقارات وإبرام الصفقات. وتؤكد تجارب ميدانية أن دخول النساء هذا المجال لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من واقع اقتصادي جديد يتشكل في ظل ظروف الحرب.
وتشير روايات متطابقة إلى أن الدافع الأساسي وراء هذا التوجه هو الحاجة الملحة لتأمين دخل بديل، خاصة بعد فقدان الوظائف أو مغادرة المعيلين للبلاد. ففي كثير من الحالات، وجدت النساء أنفسهن مسؤولات بشكل مباشر عن إعالة أسرهن، ما دفعهن إلى خوض مجالات عمل غير تقليدية. وتوضح إحدى العاملات في هذا المجال أن بدايتها جاءت بشكل عفوي أثناء البحث عن منزل لصديقة، قبل أن تتحول التجربة إلى نشاط مستمر بعد تلقي طلبات من معارف وأقارب.
هذا التحول لم يخلُ من التحديات، إذ لا تزال بعض النظرة المجتمعية التقليدية تُبدي تحفظاً تجاه عمل النساء في السمسرة، إلا أن الواقع الاقتصادي فرض نفسه، وبدأت هذه التحفظات تتراجع تدريجياً مع تزايد الحاجة إلى هذه الخدمات. كما أن وجود النساء في هذا المجال أضفى بعداً مختلفاً، حيث يشير بعض المستأجرين إلى أن الوسيطات يبدين اهتماماً أكبر بتفاصيل السكن واحتياجات الأسر.
في المقابل، تكشف هذه الظاهرة عن أزمة أعمق في سوق الإيجارات، حيث تشهد الأسعار ارتفاعات غير مسبوقة، خاصة في المناطق التي تُعد أكثر أمناً مثل محلية كرري، التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين. وتشير تقديرات متداولة إلى أن إيجار شقة مفروشة صغيرة قد يصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات شهرياً، مع اشتراط دفع مقدم لفترات طويلة أو حتى التعامل بالدولار، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الزيادات تعود إلى اختلال واضح بين العرض والطلب، إضافة إلى تراجع قيمة العملة المحلية، وغياب الرقابة المنظمة للسوق. كما أن لجوء بعض الملاك إلى فرض شروط قاسية يعكس حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي، ومحاولة للتحوط من تقلبات السوق.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل هذا النشاط: هل يمكن أن يتحول دخول النساء إلى قطاع السمسرة إلى ظاهرة مستقرة ومنظمة تفتح لهن آفاقاً اقتصادية جديدة، أم أنه سيظل نشاطاً مؤقتاً مرتبطاً بظروف الحرب؟ خاصة في ظل توجهات رسمية سابقة نحو تقنين وتقليل دور الوسطاء العقاريين بشكل عام.
ما يحدث اليوم في الخرطوم يتجاوز كونه مجرد تغير في سوق العمل، ليعكس تحولات أعمق في البنية الاجتماعية والاقتصادية، حيث تعيد النساء رسم أدوارهن في مواجهة واقع معقد، ويؤسسن لأنماط جديدة من كسب العيش في واحدة من أصعب الفترات التي تمر بها البلاد.











