السفير د. معاوية التوم يكتب: تعيين بيكا هافستو مبعوثاً شخصياً للسودان: بين تبديل الأسماء واختبار المنهج!؟
النورس نيوز
السفير د. معاوية التوم يكتب: تعيين بيكا هافستو مبعوثاً شخصياً للسودان: بين تبديل الأسماء واختبار المنهج!؟
أعلن الأمين العام للأمم المتحدة António Guterres تعيين الدبلوماسي الفنلندي Pekka Haavisto مبعوثاً شخصياً له إلى السودان، خلفاً للدبلوماسي الجزائري المخضرم Ramtane Lamamra الذي انتهت فترة عمله. ويأتي هذا التعيين في لحظة فارقة من تاريخ الدولة السودانية، حيث تتشابك الحرب المفروضة على البلاد مع الاستقطاب الإقليمي والانقسام الدولي، وتتزاحم المبادرات السياسية دون أن تنجح في وقف النزيف أو تأسيس مسار سلام مستدام. فيما تنقسم الرؤى حول فترة المبعوث العمامرة لجهة انجاز يذكر.
السؤال الجوهري ليس في الاسم بقدر ما هو في المنهج: هل يمثل تعيين هافستو تحوّلاً في المقاربة الأممية، أم مجرد تبديلٍ للأدوات داخل الإطار ذاته؟ والتفويض الذي ينحصر في مساعدة جهود حكومة السودان في تحقيق السلام والاستقرار بالبلاد ، والحرب تقترب من دخول عامها الرابع.
أولاً: مقارنة الخلفيات… إفريقيا السياسية أم أوروبا التفاوضية؟
ينتمي لعمامرة إلى مدرسة الدبلوماسية الإفريقية متعددة الأطراف؛ فقد شغل مواقع متقدمة في الاتحاد الإفريقي، وكان وزيراً للخارجية في الجزائر، ما منحه شبكة علاقات واسعة داخل القارة ومنظوماتها الإقليمية. مقاربته للسودان كانت تميل إلى تفعيل الأطر الإفريقية، ومحاولة مواءمتها مع المسار الأممي، في بيئة معقدة اتسمت بتعدد المبادرات (جنيف، جدة، الإيقاد، دول الجوار). وكانّها كانت جميعها محدودة المردود.
أما هافستو، فينحدر من تقليد أوروبي تفاوضي، مع خبرة مباشرة في السودان ودارفور، حيث شغل سابقاً منصب الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي للسودان، وشارك في مسارات السلام بدارفور، كما عمل مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة في مناطق نزاع متعددة. خبرته تمزج بين الوساطة التقنية والعمل متعدد المستويات، وهو ما قد يعكس توجهاً أممياً لإعادة هندسة المقاربة عبر شخصية أقل ارتباطاً بالتوازنات الإفريقية الداخلية وأكثر التصاقاً بالدوائر الأوروبية. وأن بلاده فنلندا هي التي تمول تكاليف مهمة المبعوث!؟ الذي كان ينافسه رئيس وزراء اليمن السابق كخيار عربي بديل .
لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في الجغرافيا الدبلوماسية، بل في قدرة المبعوث على التعامل مع ثلاث معضلات بنيوية: غياب الإرادة المشتركة بين الأطراف التي تدعم التمرد في هذه الحرب، و انقسام مجلس الأمن، وتضارب أجندات القوى الإقليمية حول أطر الحل جراء الاستقطاب الحاد.
ثانياً: الدرس السوداني من يوناميد ويونيتامس
أي تقييم لجدوى هذا التكليف لا بد أن يستحضر تجربة بعثتي الأمم المتحدة في السودان: بعثة حفظ السلام في دارفور United Nations–African Union Mission in Darfur (يوناميد)، وبعثة دعم المرحلة الانتقالية United Nations Integrated Transition Assistance Mission in Sudan (يونيتامس).
يوناميد مثّلت واحدة من أكبر عمليات حفظ السلام في العالم منذ العام ٢٠٠٣ وحتى نهاية العام ٢٠١٩، لكنها عانت من إشكالات التفويض المزدوج (أممي–إفريقي)، وضعف التنسيق، والتسييس المتبادل، وانتهت دون أن تُغلق جذور النزاع في دارفور. وما يزال فريق الخبراء المنبثق عن قرار عقدة في هذا الطريق. أما يونيتامس، فقد وُلدت لدعم الانتقال السياسي بعد 2019، لكنها واجهت بيئة داخلية شديدة الاستقطاب، وتحوّلت تدريجياً إلى طرف يُنظر إليه بعين الشك من بعض الفاعلين، قبل أن تُنهى مهمتها بطلب من الحكومة السودانية، لتجاوز رئيسها فولكر للتفويض واصراره على الإطاري ودعم التمرد مما أضطره الي الاستقالة مكرها.
الدروس المستفادة من التجربتين يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:
- التفويض الواسع بلا أدوات تنفيذ فعّالة يخلق فجوة بين التوقعات والواقع.
- أي بعثة أو مبعوث يفقد الثقة الوطنية يفقد قدرته على التأثير، مهما كانت شرعيته الدولية.
- التعويل على الهندسة السياسية من الخارج دون بناء توافق داخلي صلب يؤدي إلى هشاشة المسار.
من هنا، فإن مهمة هافستو لن تنجح إن أعادت إنتاج نموذج “الإشراف السياسي الدولي” دون مراعاة حساسية السيادة الوطنية وتعقيدات البيئة الحربية، في ظل المواقف الاوربية المعلنة. ووجود بريطانيا كحامل قلم .
ثالثاً: حدود المبعوث في ظل الانقسام الدولي
الواقع أن أي مبعوث أممي يتحرك ضمن سقف مجلس الأمن. وفي الحالة السودانية، يعكس المجلس انقساماً واضحاً بين مقاربات تفضّل الضغط والعقوبات، وأخرى تركز على الحوار التدريجي واحترام السيادة. هذا الانقسام يضعف قدرة المبعوث على تقديم ضمانات أو فرض التزامات، ومدى قناعاته ازاء المحددات التي تقف عليها القيادة السودانية لاي تسوية.
وعليه، فإن نجاح هافستو مرهون بثلاثة شروط:
- توحيد المسارات الدولية: تقليل التنافس بين المبادرات المتعددة.
- الانفتاح المتوازن على جميع الفاعلين السودانيين دون الاصطفاف مع كتلة سياسية بعينها.
- إدماج البعد الإنساني في صلب العملية السياسية لا بوصفه ملفاً موازياً.
رابعاً: هل التغيير شكلي أم جوهري؟
قد يُفهم التغيير على أنه محاولة لإعادة الزخم للملف بعد تعثر واضح. غير أن التجربة السودانية تشير إلى أن تبديل الأشخاص لا يكفي إن لم يُصاحبه تعديل في المنهج. المطلوب ليس فقط وسيطاً ماهراً، بل إطاراً تفاوضياً واقعيّاً يأخذ في الاعتبار أن الحرب خلقت وقائع جديدة على الأرض، وأن أي تسوية يجب أن تتعامل مع مسألة احتكار السلاح بيد الدولة ، وإعادة دعم بناء المؤسسات، وضمان وحدة الدولة ومؤسساتها وملكيتها السردية.
كما أن المبعوث الجديد مطالب بتفادي خطأ شائع في المقاربات الدولية، وهو افتراض أن النخب السياسية وحدها قادرة على إنتاج الاستقرار. فالحرب الحالية أفرزت تحولات اجتماعية وأمنية عميقة، تتطلب رؤية شاملة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
خاتمة: اختبار المنهج لا اختبار الشخص
تعيين هافستو يمثل فرصة لإعادة تقييم المقاربة الأممية تجاه السودان، لكنه ليس عصا سحرية. نجاح المهمة سيتحدد بقدرته على تحويل دوره من “منسق مبادرات” إلى “جسر ثقة”، ومن وسيط بين أطراف متحاربة إلى محفّز لمسار وطني جامع.
التحدي الحقيقي أمام الأمم المتحدة ليس في إيجاد مبعوث جديد، بل في الإجابة عن سؤال جوهري: هل تريد إدارة الأزمة أم حلّها؟ ففي السودان، أثبتت السنوات الماضية أن إدارة الصراع قد تُطيل أمده، بينما يتطلب حله شجاعة سياسية دولية توازي تعقيدات الواقع المحلي.
وبين دروس يوناميد ويونيتامس، وتقلبات المشهد الدولي، يبقى تكليف هافستو اختباراً لمنهج الأمم المتحدة أكثر منه اختباراً لشخصه المسنود من اوربا قبل الامين العام، والإضعاف الممنهج الذي تعمله الكتلة الاوربية الأميريكية لتجاوز الرؤية السودانية و تحديد مسار الحل وفق رؤيتها وضغوطها المجحفة. والايام كفيلة بكشف ما تنطوي عليه المهمة بالواقع الذي ترتب عبر السنوات الماضية.
25 فبراير 2026م











