الحاج أحمد مصطفى يكتب: الفريق قمر الدين… نقل معركة الحكم من منابر الكلام إلى ساحة الفعل
النورس نيوز
الحاج أحمد مصطفى يكتب: الفريق قمر الدين… نقل معركة الحكم من منابر الكلام إلى ساحة الفعل
ذات مساءٍ ممطر، قبل أكثر من عام، وفي ساحة مبنى محلية كوستي، دعاني الصديق الصحفي عبد القادر مكي لمصافحة أحد قيادات المقاومة الشعبية. كان ذلك الرجل هو اللواءـ وقتهاـ قمر الدين محمد فضل المولى.
صافحني بأدبٍ جمّ وتواضعٍ لافت، عرّفني بنفسه، ثم فاجأني بقوله إنه يتابع ما أقدّمه عبر أثير الإذاعة السودانية، وتحدث معي عن أهمية الإعلام في عالم اليوم، والدور الذي اضطلع به في معركة الكرامة. افترقنا، وغادرتُ البلاد، قبل أن تتسارع الأحداث ويصعد الرجل إلى واجهة المشهد واليًا على ولاية النيل الأبيض.. ولاية النيل الأبيض… هادئة النيل، صاخبة السياسة والأحداث. لا ترحم ولاتها، ولا تمنحهم ترف الوقت. ولايةٌ تموج بالصراعات والتقلبات، وتضع كل من يجلس على كرسيها تحت مجهر الاتهام ونيران الأقاويل منذ اليوم الأول.
التقيت الفريق قمر الدين وجلست إليه مرتين بعد تعيينه، ببيت الضيافة بربك، آخرها الأسبوع الماضي. وفي اللقاءين حاورته للإذاعة السودانية. بدا واثقًا، متحررًا من أي انتماء ضيق، غير معنيّ بإرضاء كيان على حساب آخر. ومع ذلك، لم يسلم من سهام القريب قبل البعيد. لامه أهلنا في الدويم وشمال الولاية، واتهموه بالانحياز إلى كوستي وربك دون سائر المحليات؛ وهي تهمة قديمة تُعلَّق في عنق كل والٍ مرّ من هنا… واجهته بهذا الاتهام مباشرة. لم يتبدّل هدوؤه، ولم يلجأ إلى التبرير السياسي السهل. تحدث عن الأولويات، وعن البدء من حيث تكون الحاجة أشد، لا من حيث يكون الصراخ أعلى. ثم أطلق عبارته التي ظل يكررها بلا مواربة:
«حاسبوني بأعمالي إن قصّرت».
ولأن الكلمات وحدها لا تكفي، جاءت الأفعال. ها هي طرق الدويم تشهد توافد مهندسي شركة زادنا إيذانًا بإنهاء معاناة مزمنة. وها هي معدات المحطة الإيرانية للمياه ـ التي بعد أن تكتمل ستسقي حتى جبل العرشكول غربًا وشبشة شمالًا ـ تقترب من الوصول إلى مدينة شندي ضمن معدات لخمس محطات تمهيدًا لترحيلها إلى موقع المشروع بالدويم.
الهجوم على الوالي قمر الدين لم يتوقف عند حدود الجغرافيا. صعّد البعض انتقاداتهم متهمين الرجل بعدم تغيير حكومته، وأن جلّها ما زال من بقايا عهد الوالي السابق عمر الخليفة، وكأن المطلوب تغييرٌ من أجل التغيير، أو إقالات تُرضي المزاج العام لا مصلحة الولاية.
غير أن الفريق قمر الدين حسم الأمر بوضوح:
التغيير عنده ليس طقسًا سياسيًا، ولا استعراضًا إداريًا، بل قرار تحكمه معايير محددة: الكفاءة، والقدرة على الإنجاز، وخدمة المواطن.
من يعمل يبقى، ومن يُقصّر يُحاسَب، بلا التفات إلى الضغوط أو الضجيج.
تابعت الرجل عن كثب، فلم أجده واليًا يدافع عن نفسه بالبيانات والصراخ والتهديد والوعيد، بل مسؤولًا يتحرك على الأرض. لا يكاد يمر يوم إلا ويدشّن طريقًا، أو يفتتح محطة مياه، أو يقف ميدانيًا على مشروع زراعي، أو يتابع تأهيل مؤسسة تأثرت بالحرب.
حضورٌ دائم، وعملٌ متصل، ومحاولة جادة لنقل معركة الحكم من منابر الكلام إلى ساحات الفعل.
وفي ولايةٍ اعتادت أن تُدار بالضجيج، اختار الفريق قمر الدين أن يسير عكس التيار. لم يُبدّل الوجوه لإرضاء العناوين، ولم يقدّم قرابين إدارية لتهدئة الغاضبين. ترك الكراسي كما هي، وذهب مباشرة إلى الملفات الثقيلة: الطرق، والمياه، والزراعة، ومطار كنانة، وتشجيع الاستثمار الجاد، وحضور الدولة حيث غابت طويلًا.
هنا لا يعود السؤال: لماذا لم يُغيّر؟
بل يصبح السؤال الحقيقي: ماذا أنجز؟
ولا يعود الاتهام موقفًا، بل محاولة لجرّ الرجل إلى ملعب الكلام، بينما هو ـ عن قصد ـ يقاتل في ملعب الفعل.
الفريق قمر الدين لم يطلب صك براءة، ولم يرفع يديه طالبًا التصفيق. قالها منذ البداية وتركها معلّقة في وجه الجميع:
«حاسبوني بأعمالي».
ومن لا يعجبه هذا الميزان، فمشكلته ليست مع الوالي، بل مع فكرة أن يُحاكم المسؤول بما يفعل، لا بما يُقال عنه.
دعوا الرجل يعمل… فولايتنا تأخرت كثيرًا بسبب الصراعات، وحب الأنا، وتغليب المصلحة الخاصة على العامة.
اتركوه يعمل، وحاسبوه على أعماله كما قال.
وأنا واثق أن الرجل سيعبر بالولاية إلى الأمام.
ولي عودة.











