الترايستار الأردنية، عقود البترول وصفقة الـ CRJ: تفكيك سودانير تحت لافتة المقاطعة
النورس نيوز
الترايستار الأردنية، عقود البترول وصفقة الـ CRJ: تفكيك سودانير تحت لافتة المقاطعة
بقلم: إبراهيم عدلان
النورس نيوز _ ضمن سلسلة “تفكيك رباعية الانهيار والفشل”، نفتح اليوم ملف المقاطعة الغربية التي فُرضت على الاقتصاد السوداني منذ أواخر التسعينيات، ليس كحدث سياسي معزول، بل كمنعطف حاسم أعاد تشكيل طريقة إدارة الدولة لمؤسساتها الاستراتيجية. وفي قلب هذا الملف، نجد الناقل الوطني السوداني، سودانير، الذي تحول من شركة وطنية تملك قرارها إلى كيان أُفرغ من مضمونه، متأثراً بتقاطع المقاطعة مع سوء الإدارة وانعدام الشفافية.
المقاطعة كذريعة لا كقدر
فرضت القيود الغربية عقوبات صارمة على السودان، شملت تعطيل التحويلات البنكية، وقطع خطوط التمويل، وانسحاب شركات التأمين، وتعطيل سلاسل الصيانة وقطع الغيار. إلا أن هذه المقاطعة لم تُجبر إدارة سودانير على التخلي عن التخطيط الاستراتيجي، ولم تكن سبباً مباشراً في الانحدار؛ فالقرار الداخلي لعب الدور الأبرز في اختيار أسوأ الحلول التي قادت الشركة إلى دائرة الخطر.
الترايستار الأردنية: بداية الانزلاق
كانت خطوة استئجار طائرة الترايستار (L-1011) بمثابة أول انعطاف حاد بعد المقاطعة. القرار جاء بطائرة مكلفة، كثيفة الاستهلاك، وغير مناسبة لشبكة تشغيل متقلصة، وبدون دراسة جدوى حقيقية أو مساءلة من مجلس إدارة مستقل. فتح هذا الطريق سياسة الإيجار الدائم كحل مؤقت، لتبدأ سودانير فقدان السيطرة على تكاليفها وقدرتها على التخطيط طويل الأمد.
الإيجار كسياسة: دوامة تكسير المجاديف
مع تكرار تجارب الإيجار، فقدت سودانير تجانس أسطولها، وأصبح تشغيل الطائرات مرتبطاً بتغطية تكاليف الإيجار أولاً، قبل أي تفكير في الأداء التشغيلي. وهنا بدأت الشركة تفقد قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية، لتغدو عملياتها اليومية مقيّدة بعقود الإيجار المكلفة والمستمرة.
كونتراكتات ترحيل مهندسي البترول: التوظيف السياسي لمؤسسة وطنية
توسعت دائرة الانحراف لتشمل عقود ترحيل مهندسي البترول، التي لم تعد سودانير مجرد ناقل وطني، بل واجهة لتصفية مصالح خاصة. العقود أبرمت باسم الشركة، التمويل كان من القطاع النفطي، والتنفيذ من خلال الإيجار والتعاقد من الباطن، مما أتاح استفادة محددة على حساب الشركة، بينما تحملت المؤسسة كافة المخاطر التشغيلية.
صفقة الـ CRJ: الفرصة الضائعة
بلغ التفكيك ذروته مع صفقة طائرة CRJ، التي كانت تمثل فرصة نادرة لإنقاذ الشركة، إذ كانت الطائرة مناسبة لعقد البترول، وتم توفير التمويل المطلوب من الطيران المدني والبنك الضامن، إلا أن الصفقة أُجهضت داخلياً، خشية أن تنهي الاعتماد على الإيجار وتقطع شرايين مصالح قائمة.
الفشل أم التعطيل المتعمد؟
ما حدث يوضح حقيقة صادمة: الدولة وفرت الحل، المال موجود، والطائرة جاهزة، لكن القرار خُطف داخلياً. الانهيار لم يكن نتيجة عجز تقني، بل بسبب تعطيل متعمد لمصلحة شبكات مصالح محددة.
خاتمة: نحو استعادة القرار المؤسسي
ما جرى لسودانير منذ 1998 يثبت أن المقاطعة كانت ظرفاً، بينما قرارات الإيجار وعقود ترحيل البترول وتعطيل صفقة الـ CRJ كانت خيارات إدارية خاطئة أو متعمدة. ولا يمكن الحديث عن إعادة بناء الناقل الوطني دون مراجعة كل هذه القرارات، فتح الملفات القديمة، التحقيق في تضارب المصالح، واستعادة القرار المؤسسي والسيادي للشركة. فالدولة لا تُهزم حين تُحاصر، بل حين يُفرغ قرارها الداخلي من محتواه.
المصدر.. طيران بلدنا











